الثاني : السجن الاستبرائي ، كسجن من أشكل حاله في العسر واليسر . . .
الثالث : السجن الحقوقي بقسميهما من العامّة والخاصّة . . .
الرابع : السجن الجنائي . . . ( 1 ) .
أقول : ولم يظهر لي فرق بيّن بين القسم الأوّل والثاني . ثمّ إنّه لم يذكر في
الأقسام ، الأسباب والآراء السياسيّة ( 2 ) الموجبة للسجن في أعصارنا ، اللّهم إلاّ أن
هامش
( 1 ) أحكام السجون : 128 - 130 .
( 2 ) الظاهر أنّ الأستاذ - دام ظلّه - لم يعثر على خبر ورد في حبس المخالف لرأيه السياسي أو
لنشاطه كذلك ، في أخبار الشيعة والسنّة إلاّ على خبرين مذكورين في أصل الكتاب :
1 - ما في تاريخ الطبري في رجل قال رجلان من أصحاب علي ( عليه السلام ) : أنّه يرى رأي
الخوارج فقال ( عليه السلام ) : " لا يحلّ لنا دمه ولكنّا نحبسه ، فقال عدي بن حاتم : يا أمير المؤمنين ،
ادفعه إليّ وأنا أضمن أن لا يأتيك من قبله مكروه ، فدفعه إليه " . ( تاريخ الطبري : 6 ، 3384 ) .
وفيه أوّلاً : أنّه لم تثبت حجّيته .
وثانياً : أنّ مفاده مخالف لحريّة الناس في عرض آرائهم السياسية المستفادة من قوله
تعالى : ( فبشِّر عبادِ الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنَه ) ( سورة الزمر 39 : 17 ) ، ولعدم
جواز العقاب إلاّ بعد الإتيان بجريمة ، وصرف عرض الرأي لم يكن بجرم وإن كان مخالفاً
للآراء الحاكمة على اعمال الحكومة في المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية .
فمن له شبهة سياسية يجب إزالتها بالبرهان أو بالموعظة الحسنة أو بالجدال بالتي هي
أحسن كما نطق بها الكتاب العزيز ، لا بالحبس والتشديد عليه وسلب حرّياته ومنعه عن
حقوقه ، فإنّها تدلّ على بطلان طرفه وترسخه في اعتقاده وتبعثه على العمل وفقه .
2 - ما في الغارات في قصة خروج الخريت بن راشد من بني ناجية على أمير
المؤمنين ( عليه السلام ) واعتراض عبد الله بن قعين عليه بعدم استيثاقه قال ( عليه السلام ) : " ولا أراني يسعني
الوثوب على الناس والحبس لهم وعقوبتهم حتّى يظهروا لنا الخلاف " . ( الغارات : 1 ، 335 ) .
وهذا الخبر دلّ بمفهومه على أنّه إن أظهروا له الخلاف يسعه الحبس لهم وعقوبتهم ،
وإطلاق الخلاف يشمل الخلاف قولاً وعملاً .
ولكن لا يتمسّك بمفهوم مثل هذا الخبر لإثبات الحبس والعقوبة لأيّ خلاف .
والأظهر أنّ الإمام ( عليه السلام ) لم يكن بصدد بيان الجزاء للخلاف ، بل بيان أنّه بمجرّد الاطلاع
على أنّ شخصاً مثل الخريت يريد مفارقته وخلافه ولم يظهره بعد ، لا يجوز حبسه وعقوبته ،
نعم بعد إظهار الخلاف ينظر ويعاقب من أتى به بحسبه .
وليس مراده بالخلاف ، الخلاف بالبيان والقلم ؛ لأنّ كثيراً من الأفراد ولا سيّما الخوارج
كثيراً ما خالفوه باللسان بل سبّوه ولم يُروَ أنّه عاقبهم لذلك .
ففي نهج البلاغة : قال رجل من الخوارج " قاتله الله كافراً ما أفقهه " فوثب القوم ليقتلوه ،
فقال ( عليه السلام ) : " رُويداً ، إنّما هو سبّ بسبّ أو عفو عن ذنب " ( نهج البلاغة ، صالح : 550 ، الحكمة
420 ) .
ولأنّ نقد الآراء الحاكمة وسياسات الحكومة في المجالات المختلفة الاجتماعية
والاعتراض عليها بالبيان والقلم حقّ لكلّ فرد من أفراد المجتمع لارتباطها بمصيرهم ولهم
تقرير مصيرهم .
بل ولا الخلاف في العمل ما لم ينجرّ إلى منع المخالف من الذي عليه بالعهد ، أو إلى
الجرائم التي ورد لها في الشرع جزاء مثل الفتنة والفساد والقتل والسرقة .
فإنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) احتمل عبد الله بن أُبيّ رئيس المنافقين مع كثرة مخالفته له ( صلى الله عليه وآله ) قولاً
وعملاً ولم يُروَ أنّه عاقبه لذلك بل قال فيه : " نترفّق به ونحسن صحبته ما بقي معنا " ( سيرة ابن
هشام : 3 ، 305 ) .
فالإضراب عن العمل والمظاهرات السلمية مع رعاية الحقوق الواجبة رعايتها لا بأس
بها . هذه كلّها إذا كانت للحكومة مواصفات وهي :
أ - أن تكون مشروعة بأن أقيمت بشورى الناس وبيعتهم لا بالقهر والغلبة والخداع
والانقلاب العسكري وأن تكون مقبولة لدى الناس في الحال .
ب - أن تكون على أهبة للحوار وحلّ الاختلاف بالمسالمة والمصالحة أو بالتحكيم .
ج - أن تكون معطياً للحقوق المسلمة للمخالف ولا تمنعه عنها بالحجج الواهية ووسائل
الضغط الحكومية فتضطرّه إلى خطوات لاستيفاء حقوقه ربما تنتهي إلى سقوط النظام . وإلاّ
يجب إسقاطها ولو بالكفاح المسلّح كما مرّ - م - .