هذا ، ولكنّ الحكم بوجوب ردّ مطلق التحية استنادا إلى الآية الشريفة في غاية الإشكال ، خصوصا بعد وضوح أنّ السيرة المستمرّة بين المسلمين إنّما كانت على ردّ خصوص السلام ، ولا يلتزمون بردّ سائر التحيّات ، وأمّا الاستدلال في الرواية بالآية الشريفة فليس لأجل كون الدعاء بمثل يغفر اللَّه لكم ويرحمكم من مصاديق التحية ، بل كان ذكرها من باب الاستئناس للمناسبة بين الموردين . ثمَّ إنّه لو فرض عموم التحية وعدم اختصاصها بخصوص صيغ السلام لوجب حمل الأمر في الآية الشريفة على الاستحباب بالنسبة إلى غير تلك الصيغ ، ولا يلزم من ذلك استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، لأنّ صيغة الأمر موضوعة لمجرّد إنشاء الطلب . غاية الأمر أنّه مع عدم قيام قرينة على الإذن في الترك ، لا يكون المأمور معذورا في المخالفة عند العقلاء ، وكان مستحقّا للذمّ والعقاب كما حقّقناه في الأصول . فالأقوى وجوب ردّ خصوص صيغ السلام ، كما أنّه لا خلاف فيه ظاهرا بين المسلمين ، وقد عرفت فتاوى العامّة في باب الردّ في أثناء الصلاة ، فإنّه يستفاد من مجموعها مفروغية وجوب الردّ بالقول في غير حال الصلاة ، بل يستفاد من بعضها أنّ الردّ يكون حقّا للمسلَّم على المسلَّم عليه فتدبّر . هذا ، وأمّا ما يدلّ من الروايات على وجوب ردّ السلام فهي رواية مصدّق بن صدقة المتقدّمة ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه عليهما السّلام ، ورواية السكوني عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام ( 1 ) ، الدالتان على انّ السلام من المسلَّم تطوّع والردّ فريضة ، وقد روي هذا المضمون من طريق العامّة عن بعض التابعين ( 2 ) ، ولكنّ الطبري في تفسيره
نهاية التقرير في مباحث الصلاة تقريرا لما أفاده السيد حسين الطباطبائي البروجردي — صفحة 384
مساهمون: الشيخ محمد الفاضل اللنكراني
ص٣٨٤
هامش
( 1 ) الكافي 2 : 644 باب التسليم ح 1 ، الوسائل 12 : 58 . أبواب أحكام العشرة ب 33 ح 3 .
( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 5 : 304 ، صحيح مسلم 13 : 117 ب 2 و 118 ب 3 ، صحيح البخاري 7 : 163 ب 1 - 7 .