هارب ، و درك كلّ طالب ، و ظفر كلّ غالب ، و أحثّكم على طاعة اللّه ، فإنّها كهف العابدين ، و فوز الفائزين ، و أمان المتّقين . و اعلموا - أيّها النّاس - إنّكم سيّارة ، قد حدا بكم الحادي ، و حدا لخراب الدّنيا حادي ، و ناداكم للموت منادي ،
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ، وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
[ فاطر ( 35 ) : 5 ] ألا و إنّ الدّنيا دار غرّارة خدّاعة ، تنكح في كلّ يوم بعلا ، و تقتل في كلّ ليلة أهلا ، و تفرّق في كلّ ساعة شملا ، فكم من منافس فيها ، و راكن إليها من الأمم السّالفة ، قد قذفتهم في الهاوية ، و دمّرتهم تدميرا ، و تبّرتهم تتبيرا ، و أصلتهم سعيرا . أين من جمع فأوعى ، و شدّ فأوكى ، و منع فأكدى ؟ بل أين من عسكر العساكر ، و دسكر الدّساكر ، و ركب المنابر ، أين من بنى الدّور ، و شرّف القصور ، و جمهر الألوف ، قد تداولتهم أيّامها ، و ابتلعتهم أعوامها ، فصاروا أمواتا ، و في القبور رفاتا ، قد نسوا ما خلّفوا ، و وقفوا على ما أسلفوا ،
ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ
[ الانعام ( 6 ) : 62 ] و كأنّي بها و قد أشرقت بطلائعها ، و عسكرت بفظائعها ، فأصبح المرء بعد صحّته مريضا ، و بعد سلامته نقيصا ، يعالج كربا ، و يقاسي تعبا ، في حشرجة السّباق ، و تتابع الفواق ، و تردّد الأنين ، و الذّهول عن البنات و البنين ، و المرء قد اشتمل عليه شغل شاغل ، و هو هائل ، قد اعتقل منه اللّسان ، و تردّد منه البنان ، فأصاب مكروها ، و فارق الدّنيا مسلوبا ، لا يملكون له نفعا ، و لا لما حلّ به دفعا ، يقول اللّه ( عزّ و جلّ ) في كتابه :
فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَها إِنْ