الصلح أمّا بعد حكم الحاكم بثبوت الحق أو
سقوطه فلا معنى لترغيب الخصمين في
الصلح ؛ إذ الخصومة قد انتهت وفصلت
بسبب الحكم ، فلا يوجد حينئذ طرفان
متخاصمان كي يكون الترغيب حقيقةً
ترغيباً لهما في الصلح ، وإنّما الترغيب
حينئذ يكون ترغيباً لأحدهما الذي له
الحكم - والذي هو يختلف باختلاف نوع
الحكم ، فإن كان قد حكم الحاكم بثبوت
الحق فالترغيب للمدعي في إسقاط الحق
والإبراء منه ، وإن كان قد حكم بسقوطه
فالترغيب ترغيب للمنكر في بذل المال
لغير مستحقّه وهو المدّعي - فلا يصدق
عليه أنّه ترغيب لهما في الصلح كي يثبت
استحبابه ، بل هو شفاعة إلى أحدهما في
الإسقاط أو غيره ، وهذا هو مقصود من
قال بكراهة شفاعة الحاكم في إسقاط
الحق .
وقد صرّح بهذا الوجه النراقي وقال :
« والظاهر أنّ إضافة الأصحاب الترغيب
إلى ضمير التثنية لتخصيصهم الاستحباب
بغير هذه الصورة [ أي صورة ما بعد حكم
الحاكم ] ؛ إذ لا معنى لترغيب الخصمين
حينئذ ، كما لا يخفى .
وقول المحقق والفاضل في الشرائع
والقواعد بكراهة شفاعة الحاكم في إسقاط
الحق منزّل على ذلك [ أي على ما بعد
حكم الحاكم ] أيضاً ، فلا تنافي بين قولهما
باستحباب الترغيب في الصلح ، والكراهة
في هذه الشفاعة . ولا حاجة في الجمع
بينهما إلى جعل الصلح متوسّطاً بين
الإسقاط وعدمه أو جعله مستثنى ، أو
حمله على بعث غيره على ترغيبهما في
ذلك كما في المسالك » ( 1 ) .
وقد نجد الإشارة إلى هذا الوجه في
كلام بعض من تقدّم على النراقي كالشهيد
الثاني حيث قال : « ويستحبّ له قبل
الحكم ترغيبهما في الصلح » ( 2 ) .
وقد يكون هذا الوجه هو مقصود
المحقّق النجفي حيث قال : « لعلّه لا
تنافي بين رجحان الصلح قبل الحكم . . .
وبين الشفاعة في إسقاط الحق بعد
ثبوته . . . » ( 3 ) .
هامش
( 1 ) مستند الشيعة 17 : 129 .
( 2 ) الروضة 3 : 75 .
( 3 ) جواهر الكلام 40 : 148 - 149 .