بأنّ المرتكز عند العقلاء في الإبراء إنّما هو إسقاط حقّ ثابت بالفعل ، وأمّا ما لا ثبوت له بالفعل فلا معنى لدى العقلاء لاسقاطه إلاّ بنحو الإسقاط المشروط والمعلّق على حصول الحقّ وثبوته ، والذي هو أيضاً خلاف شرطية التنجيز في العقود والإيقاعات ، فالاسقاط والإبراء لما لم يثبت بعد وإن كان متصوراً ومعقولا ثبوتاً إلاّ أنّه غير عقلائي إثباتاً . قال السيّد الإمام الخميني في الإبراء عن الدين قبل الاستدانة : « إنّه غير جائز لا لامتناعه عقلا ، بل لعدم عقلائيته والأسباب العقلائية تابعة لاعتبار العقلاء » ( 1 ) . وأمّا الرواية الواردة عن علي ( عليه السلام ) فهي في مورد خاصّ ، فلا يمكن تصحيح إبراء ما لم يجب مطلقاً استناداً إليها . ومن هنا فقد يُخرّج مورد الرواية وبعض التطبيقات الأُخرى باقتضاء الضرورة لها ( 2 ) ، أو المناقشة فيها صغروياً بالقول بأنّ ثبوت سبب الحق ثبوت له بوجه ( 1 ) ، أو بأنّ مورد الرواية ليس من الإبراء وإن عبّر به بل هو بحسب الحقيقة من الإذن في إتلاف العضو مجّاناً وبلا ضمان ، حيث إنّ الولي مالك بالملكية الواقعية أو الاعتبارية لنفسه أو لدابّته ، فله الإذن في علاجه الموجب للتلف احتمالا كما لو أذن له بأكل ماله . وهذا ما سيأتي مزيد بحث فيه . والظاهر من تتبع استناد الفقهاء إلى قاعدة بطلان ما لم يجب في التطبيقات الكثيرة في أبواب الفقه المختلفة توجب القطع بأنّهم أخذوها مأخذ الأُمور الارتكازية الواضحة لكل متأمّل ، وأنّ الإبراء عمّا لم يجب لا يعدو أن يكون إبراءً مشروطاً أو شرطاً ابتدائياً ووعداً محضاً لا يجب الوفاء به كما أشار إليه المحقّق النجفي ( 2 ) . وربما فرّع على القاعدة المذكورة عدم
موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 348
مساهمون: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي
ص٣٤٨
هامش
( 1 ) البيع ( الخميني ) 4 : 115 .
( 2 ) الايضاح 4 : 460 - 641 .
( 1 ) التذكرة 11 : 86 . الايضاح 4 : 640 . الروضة 3 : 498 .
مجمع الفائدة والبرهان 8 : 427 . 14 : 142 - 143 .
جواهر الكلام 23 : 238 . المكاسب ( تراث الشيخ
الأعظم ) 5 : 320 .
( 2 ) انظر : جواهر الكلام 42 : 430 .