وقد استدلّ المشهور على كونه إسقاطاً لا تمليكاً بأنّه لو كان تمليكاً لاحتاج إلى القبول ؛ لأنّه تصرّف في شأن الغير وسلطانه فيحتاج إلى رضاه وقبوله مع أنّه ليس كذلك عرفاً ولا شرعاً . كما أنّ موارد الإبراء بناءً على صدقه في غير الديون والأموال الذمية أيضاً لا يناسب افتراض كونه تمليكاً ، والسيرة والارتكاز العرفي والشرعي يشهدان على ذلك . * الإبراء عقد أو إيقاع : المعروف عدم كونه عقداً بل إيقاع ، قال السيّد عبد الله الجزائري : « الإبراء . . لا يشترط فيه القبول قطعاً ؛ لأنّه إسقاط حق لا نقل ملك ، فهو إيقاع لا عقد » ( 1 ) ؛ لكونه إسقاطاً محضاً ، فلا يشترط فيه القبول ولا سائر شروط صحة العقد . ومن قال بأنّه تمليك قد يجعله عقداً ومحتاجاً إلى القبول ، وقد تقدم عدم صحته وأنّه ليس تمليكاً . نعم ، وقع البحث عندهم في موارد وتطبيقات يقع الإبراء فيها بألفاظ أُخرى كالهبة والصلح فهل هي من العقود وتحتاج إلى القبول أم لا ؟ وهذا ما سيأتي البحث عنه فيما يأتي . * عدم احتياج الإبراء إلى القبول : وهذا هو المشهور بل عليه الأكثر . وقد استدلّوا عليه بأنّه إسقاط ، وهو لا يحتاج إلى القبول وبأدلّة أُخرى ستأتي الإشارة إليها ( 1 ) .
موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 316
مساهمون: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي
ص٣١٦
هامش
( 1 ) التحفة السنية ( مخطوط ) : 215 .
( 1 ) قال المحقق الحلي ( الشرائع 2 : 229 ) : « ولا يشترط
في الإبراء القبول على الأصح » .
وقال ابن سعيد ( الجامع للشرائع : 365 ) : « فإن وهبه
ما في ذمته صحّ وكان إبراء ، ولا يفتقر إلى قبول المبرأ ،
ولا رجوع فيه » .
وقال العلاّمة في التذكرة ( 2 : 91 ، حجري ) : « الإبراء
عندنا إسقاط محض ولا يعتبر فيه رضى المبرأ ولا أثر
لرده » .
وقال في موضع آخر ( التذكرة 2 : 178 حجري ) :
« وهل يشترط القبول ؟ الأقرب عندي عدم
الاشتراط » .
وقال في التحرير ( 3 : 9 ) : « ولا يفتقر الإبراء إلى
القبول » .
وقال في الإرشاد ( 1 : 450 ) : « ولو وهب الدين لمن
عليه فهو إبراء ولا يفتقر إلى القبول » .
وقال في المختلف ( 6 : 239 ) : « لأنّ ذلك إسقاط
حق ، فلا يفتقر إلى القبول » .
وقال ولده فخر المحقّقين ( الايضاح 3 : 604 ) :
« إذ الإبراء لا أثر للقبول فيه ، فلا معنى لايجابه » .
وقال الشهيد الأوّل ( اللمعة 9 : 138 ) : « ولا يشترط
في الإبراء القبول » .
وقال المحقّق الكركي ( جامع المقاصد 9 : 138 ) :
« الأصح عدم الاشتراط [ = عدم اشتراط القبول ] ، ولا
يضر كونه هبة » .
وقال الشهيد الثاني ( المسالك 6 : 15 - 17 ) : « اختلف
الأصحاب في اشتراط القبول في الإبراء مطلقاً ،
فذهب الأكثر إلى عدمه ؛ للأصل ، ولأنّه إسقاط لا نقل
شيء إلى الملك . . . واحتج له بقوله تعالى : ( فنظرة
إلى ميسرة وإن تصدقوا خير لكم ) حيث اعتبر مجرد
الصدقة ولم يعتبر القبول ، وبقوله تعالى : ( ودية
مسلّمة إلى أهله إلاّ أن يصدقوا ) . . . وهذا أقوى
وأشهر » .
وقال في الروضة ( 3 : 193 ) : « ولا يشترط في الإبراء
- وهو إسقاط ما في ذمّة الغير من الحق - القبول ؛ لأنّه
إسقاط حق لا نقل ملك . . . » .
وفي موضع آخر قال ( الروضة 5 : 285 ) : « والظاهر
أنّ هذه الهبة إسقاط بمنزلة الإبراء ، فلا يفتقر إلى
القبول » .
وقال الفيض الكاشاني ( مفاتيح الشرائع 3 : 161 ) :
« وفي اشتراط القبول فيه قولان : أظهرهما وعليه
الأكثر العدم ؛ للأصل ، ولأنّه إسقاط لا نقل شيء إلى
الملك فهو بمنزلة تحرير العبد ، وللآية . . حيث اكتفى
فيها بمجرد العفو ، ولا دخل للقبول في مسمّاه قطعاً ،
وقد ثبت الاكتفاء بمجرده في المهر وفي سقوط
الحدود والجنايات الموجبة للقصاص ، وهو في معنى
الإبراء » .