دلالات الدليل اللفظي ، أو قواعد شرعية مستفادة من الروايات كالاستصحاب والبراءة وحجّية
أخبار الثقات وأحكام التعارض بين الروايات وعلاجه ، أو مدركات عقلية نظرية أو عملية قطعية
تقدم بيان دورها في مجال الاستنباط سابقاً ، فليس البحث الأُصولي في الفقه الإمامي بحثاً عن
الأقيسة والاستحسانات والظنون ، بل على العكس من ذلك يتعرّض فيه - ولو عرضاً - إلى عدم
حجّية مثل هذه الظنون ، حتى إذا قيل بحجية مطلق الظن كما توهّمه بعض الأُصوليين وسمّي
بدليل الانسداد .
واتضح أيضاً في هذا الدور الفقهي بشكل آكد وأوضح مبنى حجّية الاجماع عند الشيعة ، وإنّه
ليس كما ذهب إليه العامّة من كونه دليلا مستقلا على الحكم الشرعي ، بل الاجماع إذا تمت
شروطه وأمكن تحصيله من القدماء يمكن أن يكون كاشفاً عن السنة وتلقي الحكم من
المعصوم ( عليه السلام ) .
وفي هذا الدور أيضاً ، وعلى يد هذا العلَم وتلامذته ، تطوّر علم الأُصول واتّسع في طبيعة
مسائله ، وفي أنحاء الاستدلال ، وفي تقسيم أبحاثه ، فلم تعد أبحاثه هي تلك المسائل اللغوية أو
العقلية المبحوثة في كتب أُصول الفقه سابقاً ، ولا بتلك المنهجية والاستدلالات ، بل بمنهج
جديد قسمت مباحثه إلى قسمين رئيسين : مباحث الألفاظ ومباحث الأدلّة العقلية ، وتوسّع
البحث فيها عن جملة من الأُصول العملية الشرعية كأصل البراءة الشرعية في الشبهات الوجوبية
والتحريمية - وقد منعها الاخباري - وأصل الاستصحاب في موارد اليقين السابق ، وأصل
الاحتياط في موارد العلم الاجمالي أو الشك في الامتثال .
وأيضاً ، قسّمت الأدلّة إلى : الأدلّة الاجتهادية ، والتي تدلّ على الحكم الشرعي الواقعي وتثبته
اثباتاً قطعياً أو تعبدياً . والأدلّة الفقاهتية ، التي لا تثبت الحكم الشرعي الواقعي ولا تشخصه وإنّما
تقرّر الوظيفة العملية تجاه الحكم الواقعي المشتبه ، فإنّ هذه الفكرة التي هي اليوم من مسلّمات
أُصول الفقه الشيعي ومن مبتكرات هذا الدور الفقهي .
والحق انّه قد تحقّقت صحوة أُصولية وفقهية عظيمة على يد الوحيد البهبهاني اعتدل بها منهج
موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 66
مساهمون: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي
ص٦٦