للأئمة من آل البيت وتاسيه بهم ، عز عليهم أن يتنصلوا منه ، ولكنهم عرفوا أيضا صوفيته المناقضة لآرائهم فكبر عليهم أن يقبلوه على علاته . وهذا هو علة ما لاحظه الأستاذ زين الدين من مرور مجامعهم الرجالية بسيرته ذاك المرور السريع . ( 1 ) وكذلك كان الأمر مع الصوفيين الذين أحرجتهم آراؤه كما أحرجت الشيعة فهو منهم ، ولكنه في الوقت نفسه ليس منهم . ويقول الأستاذ زين الدين وهو يتحدث عن آراء الآملي الصوفية : « لا يرى الآملي أن أولى الخطوات في طريق العرفان كتمان سر الربوبية . . . » . ثم يكمل الأستاذ زين الدين كلامه قائلا : « فالتقية الشائعة عند الشيعة عدم إفشاء أصول المذهب تتخذ لديه معنى باطنيا فتصبح حفظا للاسرار الربانية » إلى آخر ما قال . . . إن هذا المفهوم للتقية هو مفهوم خاطئ فالتقية : هي إن يحافظ المرء على عرضه أو نفسه أو ماله عند الخوف ، بإظهار غير الحقيقة . لا عدم إفشاء أصول المذهب ، فأصول المذهب ليست سرا يحاول أصحابه عدم إفشائه ، بل هي أظهر من كل ظاهر إن التقية مبدأ إنساني وتشريع إسلامي قرآني ، وهي ليست عند الشيعة وحدهم ، بل هي عند الناس أجمعين فما أحد يخاف على نفسه وعرضه وماله إذا أظهر حقيقته ، إلا ويكتم هذه الحقيقة . وهي تشريع إسلامي قرآني ، فالقرآن يقول في سورة آل عمران : * ( « لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون الله ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة » ) * . وقد جرى تطبيق عملي للتقية في عهد النبي محمد ( ص ) وبامر منه ، وذلك عندما عذب القرشيون ( ياسر ) وزوجته سمية ، والدي عمار حتى قتلا في التعذيب وولدهما عمار ينظر . فلما حل عليه الدور في التعذيب لم يتركوه حتى نال من النبي ( ص ) وسبه وذكر آلهتهم بخير . فلما أتى النبي ( ص ) في المدينة بعد نجاته من الموت ، قال : ما وراءك يا عمار ؟ قال : شر يا رسول الله ، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير . فقال النبي : فكيف تجد قلبك ؟ فقال أجد قلبي مطمئنا بالايمان فقال : فان عادوا فعد ( راجع حلية الأولياء - 140 ) وتفسير الطبري 4 - 112 وغرائب القرآن لنظام الدين النيسابوري على هامش الطبري 43 - 118 وتفسير القرطبي 10 - 180 ) . وإنما اشتهرت نسبة التقية إلى الشيعة لكثرة ما أخيفوا على الأنفس والأعراض والأموال ، وأوضح مثال على عمل غير الشيعة بالتقية وأخذهم بها : الفتوى التي أصدرها الفقيه المغربي أحمد بن بو جمعة المغراوي الوهراني ووجهها إلى من بقي من المسلمين في الأندلس بعد سقوط غرناطة وانتهاء الحكم الإسلامي في أسبانيا كلها . يقول أحمد في فتواه : . . . مؤكدا عليكم في ملازمة دين الإسلام آمرين به من بلغ من أولادكم ، إن لم تخافوا دخول شر عليكم من أعلام عدوكم بطويتكم . ويستطرد قائلا : وإن أكرهوكم في وقت الصلاة على السجود للأصنام وحضور صلاتهم فأحرموا بالنية وانووا صلاتكم المشروعة وأشيروا لما يشيرون إليه من صنم ومقصودكم الله . وإن أجبروكم على شرب خمر فاشربوه لا بنية استعماله ، وإن كلفوا عليكم خنزيرا فكلوه ناكرين إياه بقلوبكم ومعتقدين تحريمه ، وكذا أن أكرهوكم على محرم ، وإن أكرهوكم على زواج بناتكم منهم فاعتقدوا تحريمه لولا الإكراه ، ناكرين ذلك بقلوبكم . ثم يقول : وإن أكرهوكم على كلمة الكفر فان أمكنكم التورية والألغاز فافعلوا ، ولتكونوا مطمئني القلوب بالايمان إن نطقتم بها ناكرين لذلك . ويقول الأستاذ زين الدين وهو يتحدث عن الآملي : « وهو من طرف آخر مضطر أثناء مقاربته أصول الطائفة المتصوفة وبيان وجوه الشبه أو الأحرى مناحي التكامل بين الطائفتين إلى أن ينبه ويزيد في التأويلات الخاطئة ، لدى الإسماعيليين والزيدية وسائر الغلاة » . أغلب الظن أن الكاتب يقصد بالاسماعيليين هنا ، ( الفاطميين ) ، فإن كان الأمر كذلك فقد أخطا في الجمع بين الإسماعيليين والزيدية من جهة وبين الغلاة من جهة أخرى ، فلا الإسماعيليون الفاطميون ولا الزيدية من الغلاة ، ولا لهؤلاء ولا لهؤلاء تأويلات خاطئة . لقد انشق عن الفاطميين من عرفوا بالنزاريين ، أو الإسماعيليين النزاريين ، وخالفوا الفاطميين في اطراد سير الخلفاء ثم خالفوا المسلمين أجمعين في كل شيء ثم عاد فريق منهم ، في العقيدة إلى الحظيرة الإسلامية ما عدا تسلسل الأئمة ، وظل الفريق الآخر على ما كان عليه من الانشقاق في كل شيء في العقيدة والإمامة وظلوا يحملون اسم الإسماعيليين حتى اليوم . وزالت
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 160
مساهمون: حسن الأمين
ص١٦٠
هامش
( 1 ) مما ينبغي الإشارة إليه هنا أنه كتب « أجوبة المسائل المهنائية » المعروفة :
« المسائل المدينات » للعلامة الحلي وأتمها في سفرة ذي القعدة سنة 762 ، وكتب له فخر الدين ابن العلامة إجازة روايتها عنه هي والده في أواخر ربيع الآخر سنة 771 ، وقال في الإجازة « وقد أجزت لمولانا السيد الإمام العالم العامل المعظم المكرم أفضل العلماء وأعلم الفضلاء الجامع بين العلم والعمل شرف آل الرسول مفخر أولاد البتول سيد العترة الطاهرة ركن الملذة والحق والدين » .
وقد ذهب بعض الباحثين إلى تعدد السيد حيدر الآملي في القرن الثامن ، ولكننا نعتقد أنه واحد واختلاف الألقاب أو النسبة إلى البلد أو عدم النسبة لا تعني تعدد الشخص .