العام لكتابه المعروف ( تاريخ الفلسفة الإسلامية ) ، خاصة في الجزء عن التشيع وهو جوهر الكتاب .
وحاط كوربان مؤلفات هذا الفيلسوف بالرعاية وحاول من خلال المنهجية ( الظواهرية ) أن يفسر نشأة الفكر الفلسفي لدى الشيعة ، ويتعاطف مع هذا النزوع الشيعي إلى درجة أن دفعت أحد الباحثين العرب هو الدكتور علي سامي النشار إلى اتهام كوربان بأنه كان شيعيا أكثر من الشيعة « ( انتهى ) .
وإنني أضيف إلى ما ذكره الأستاذ « زين الدين » عن كوربان - أضيف إلى ذلك أن كوربان كان متخصصا بالفلسفة الإسلامية ، ودراسته كانت منصبة على هذه الفلسفة ، وقد عني منها بالجانب الشيعي المتأخر الذي أهمله الباحثون الذين اقتصروا في دراستهم على الفلاسفة المسلمين الأوائل ووقفوا عند زمن معين لم يتجاوزوه ، في حين أن الفلسفة الإسلامية ازدهرت بعد ذلك أي ازدهار ، وكان هذا الازدهار على أيدي فلاسفة شيعة هم في أغلبهم إيرانيون .
ولما كان موضوع اختصاص كوربان هو الفلسفة الإسلامية كلا لا بعضا محددا بزمن ، لذلك تابع دراسته موصلا المتقدمين بالمتأخرين فعني بهم وكتب عن هؤلاء المتأخرين ، وأخذوا حيزا مهما في دراساته عن الفلسفة الإسلامية وهم كما قلنا شيعة ، ومن هنا وصف كوربان بأنه : « متخصص بالفلسفة الإسلامية والفكر الإسلامي لا سيما الفكر الشيعي » .
ويبدو أنه هو قد رضي بهذا الوصف ، وحاول أن يحدد فلسفة شيعية خاصة ، وأن يعيدها إلى جذور أبعد مما كان بين يديه عمن عني بدراستهم من المتأخرين من أمثال محمد باقر الداماد ، ومحمد صدر الدين الشيرازي ، فكان أن اعتقد أن هذه الجذور تنتهي فيما تنتهي إليه إلى حيدر الآملي ، فأدخله في عداد الفلاسفة . « وخصه بسلسلة من المحاضرات ، حتى شكلت طروحاته الهيكل العام لكتابه الفلسفة الإسلامية » .
وإذا كان كوربان قد حاضر عن الآملي في [ السربون ] السوربون وفي سويسرا فان محاضراته هذه لم تكن الوحيدة فقد حاضر سنة 1962 في جامعة طهران عن محمد صدر الدين الشيرازي ، كما كان قد سبق له المجيء لإيران سنة 1945 لإكمال دراساته عن الفيلسوف الاشراقي الشهيد شهاب الدين السهروردي بعد أن أمضى سنتين في تركيا في إعداد قسم من كتابات السهروردي وإذا كنت لم أطلع على ما كتبه كوربان بلغته الفرنسية ، فإنني أستنتج من خلال قول الأستاذ زين الدين ، أن كوربان حاول من خلال مؤلفات الفيلسوف ، الآملي أن يفسر نشأة الفكر الفلسفي لدى الشيعة « وأن كوربان رأى أن هناك نشأة مستقلة للفكر الفلسفي لدى الشيعة ، وأن من قواعد هذه النشأة هي أفكار الآملي في مؤلفاته . وهنا أخطا كوربان خطا مزدوجا : أولا باعتباره الآملي فيلسوفا ، ثم - وهذا الأهم - بفصله بين الفكر الفلسفي الشيعي ، والفكر الفلسفي غير الشيعي ، في حين أن لا فكران فلسفيان في الإسلام ، بل هناك فكر فلسفي إسلامي واحد ، وفلاسفة مسلمون لهم مناهجهم التي كان الغرض الأكبر لهم فيها هو أن يزودوا العالم بنظرية تامة عن وحدة الكون ، ترضي الذهن كما ترضي الدين ، ولذلك حاولوا أن يوفقوا بين الجانب الأخلاقي والروحي للعلم وبين جانبه الفلسفي . وكانت رسالتهم موجهة لا إلى المسلمين وحدهم بل إلى الإنسانية بأسرها ، ألا وهي رسالة الفهم والتعاطف وحث الإنسان على البحث عن حل لألغاز الكون ، ودعوته إلى تعميق معرفته لذاته ، بحيث يستشعر في جوانبه ثقة في [ أ ] الله وثقة في نفسه .
الجذور التي ينتهي إليها ، والمنابع التي يستقي منها : الكندي وابن سينا والفارابي ، الفلاسفة الشيعة هي نفس الجذور التي ينتمي إليها ، والمنابع التي يستقي منها ابن باجة وابن رشد الفيلسوفان غير الشيعيين . والذين عارضوا الفلسفة ، والذين عضدوها لم يقسمها أحد منهم إلى فكرين ، ولم ينسبها إلى مذهبين .
أما أن تكون طروحات الآملي شكلت الهيكل العام لكتاب كوربان : تاريخ الفلسفة الإسلامية خاصة في الجزء عن التشيع وهو جوهر الكتاب « كما ذكر الأستاذ زين الدين ، فذلك كما قلت من أوهام كوربان أو أخطائه ، لا فرق ، لأن طروحات الآملي ليست طروحات فلسفية ، بل هي طروحات صوفية لا تصح أن تشكل هيكلا عاما لكتاب عن تاريخ الفلسفة ، وأن تتخذ أساسا للحديث عما سماه كوربان : الفكر الفلسفي الشيعي .
إن الآملي صوفي قبل كل شيء وبعد كل شيء . والبحث يجب أن يتركز عن موقعه من الصوفيين ، وهو موقع متميز لا يشبه أي موقع .
الآملي مولع بالأئمة من آل البيت مخلص في ولائه لهم ، معجب بهم ، ثم استهوته النزعات الصوفية بكل ما فيها من شطحات لا تتلائم مع تعاليم الأئمة وتوجيهاتهم فكاد أن يضيع ، ولكنه وهو المؤمن الصلب الايمان لم يضع ، أو بالأحرى هذا ما بدا له ، فأراد المواءمة بين ولائه للأئمة وبين تصوف الصوفية ، فكان أن أخذ بشيء جديد ، لا يأخذ به التشيع ولا تأخذ به الصوفية فخلق تصوفا شيعيا ، أنكره عليه الشيعة وأنكره عليه الصوفيون .
وهذا عين ما قاله عنه الأستاذ زين الدين . وهو يتحدث عن كتابه ( نصوص الحكم ) : « وأدى هذا الشرح وسائر كتب الآملي إلى إدماج آراء ابن عربي الصوفية في ثنايا الفكر الشيعي » .
وحدثت في هذه الحال المفارقة الطريفة : وهي أنه أحرج كلا من الشيعة والصوفيين ، فالشيعة وقد عرفوا ولاءه المخلص
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 159
مساهمون: حسن الأمين
ص١٥٩