القصة يرويها « ابن أبي الحديد » في سبيل التنويه بمقام « الرضي » ونحن لا نحيل التنويه بمقامه - فقد كان مجمعا على فضله - ولكن التنويه بمقام إنسان لا ينبغي أن يتم على حساب إنسان آخر ، ليتخذ منه سبيل مقارنة ومفارقة . وسننقد القصة من حيث سندها ورواتها وما اختلفت عليه الروايات : ( أ ) يقول ابن أبي الحديد : قرأت بخط « محمد بن إدريس الحلي الفقيه الامامي » . وأنا أستبعد جدا أن يسجل « محمد بن إدريس الحلي الامامي » على « المرتضى » هذه المنقصة . وقد عرف « ابن إدريس » بأنه من رأي « المرتضى » في كثير من مسائل الفقه ، ومن مشايعيه في رأيه الأصولي ، ومن تلاميذ مدرسته ، بحيث متى ذكر « ابن إدريس » قرن « بالسيد المرتضى » في كثير مما تدفع به عن « ابن إدريس » المآخذ الفقهية . ب - حكى « أبو حامد أحمد بن محمد الأسفراييني الفقيه الشافعي » . والشافعي أبو حامد الأسفراييني - على عظم مقامه ، وسمو منزلته في نظر الشافعية خاصة - كان معاصرا « للمرتضى » وقرنا له في الزعامة المذهبية ومن أجل الأسفراييني أخرج الشيخ المفيد - أستاذ المرتضى - من بغداد وكانت العداوة يومئذ بين الشيعة والشافعية في ذات أئمتها بالغة ذروتها . ج - كنت يوما عند فخر الملك . . . إلخ . أن علاقة المرتضى ب « فخر الملك » كانت وثيقة جدا ، وكانت العواطف المتبادلة بينهما لا نظير لها في كل من عرفت « للسيد » صلة به ، وكانا يتزاوران ويصطحبان ( 1 ) وللسيد في مدحه قصائد جياد تنيف على عشرين قصيدة ، ( 2 ) وإذ قتل « فخر الملك » جزع السيد جزعا شديدا ، ورثاه بقصائد أربع ، لم يرث بمثلها خليفة أو ملكا أو صديقا ، وأقسم بعد قتله ألا يقول الشعر ، وظل منقطعا عنه سنين ثمانية ، حتى إذا قدم « سلطان الدولة » ابن الملك « بهاء الدولة » إلى بغداد طلب منه أن يقول الشعر ملحا معاودا ، فاعتذر بما سبق أن عزم عليه : من ترك الشعر بعد « فخر الملك » ، ولكنه حمله على قوله بمعاودة الإصرار . ( 3 ) فهل تكون هذه العواطف من جانب « المرتضى » لرجل كان يزدري مقامه ، ويستهين بكرامته ، ويلقاه بالفتور والبرود ؟ . والطريف في الأمر أنك تجد القصة نفسها تروى بلسان آخرين ، ومع وزير آخر غير فخر الملك ، فمرة تروى عن أبي إسحاق محمد بن إبراهيم العباسي الكاتب ، ( 4 ) ومرة عن لسان « أبي إسحاق » ، ( 5 ) وكلاهما - كما كان الحال مع « أبي حامد الأسفراييني » - يدعي مشاهدة المجلس وحده ، ومع ادعاء التفرد بمجلس الوزير لا يصح أن يشاهدها آخرون ، وهذا صريح في اختراع القصة ، أو في اختراع راويها . وأطرف من هذا أنها في إحدى الروايات تجري مع « أبي محمد الوزير المهلبي » لا مع « فخر الملك » ، ولكن الوزير « المهلبي » مات قبل أن يخلق المرتضى بثلاث سنوات أو أربع . ( 6 ) 3 - ويدخل في باب المفارقات ما يورد للسيد وعنه بحسن نية ، وبقصد التنويه بذكره ، ولكنه يخرج به عن خلقه المعروف به ، أو عن الخلق الإنساني السوي العام . فمن الشائع في الأوساط الخاصة لرجال المذهب الشيعي ، والوارد في بعض المصادر ( 7 ) أن السيد الرضي حين أسمع أخاه المرتضى قصيدته في رثاء « أبي إسحاق الصابي » :
( 8 ) بل رأيت « المرتضى » يجري إلى أكثر من هذا فيمدح « هلال بن المحسن الصابي » وهو حفيد « أبي إسحاق » بأبيات فيها :