ولكنه في مسلكه الاجتماعي صحب إخوانا وأساتذة وطلابا من كل الأجناس والمذاهب ، وعاشرهم معاشرة المشاركين له في الرأي وفي العقيدة ، ثم هو لا يمتنع أن يغضي ويصفح حين تقضي ضرورات الخلافة بالحد من نشاط الشيعة ، أو بمنع إقامة شعائر المذهب ، ولقد أخرج أستاذه « المفيد » وزعيم مذهبه من « بغداد » فلم تثر ثائرته ، كما منع الشيعة من إقامة شعائرهم على عهد بعض الخلفاء فما شهدته أعلن نقمة وهياجا ، ولكنه سعى باللطف ، فأعاد شعائر مذهبه إلى ما كانت عليه .
وفاة المرتضى
وبعد عمر حافل بجلائل الأعمال لم ينقطع فيه عن عمل في السياسة أو عمل في التأليف ، وبعد أن تجاوز الثمانين ، ولخمس بقين من ربيع الأول سنة 436 مشى به المشيعون في حشد من تلاميذ مدرسته . فتولى غسله تلميذه « أحمد بن الحسين النجاشي » ، يعاونه الشريف أبو يعلى « محمد بن الحسن الجعفري » ، و « سلار بن عبد العزيز » ، وكلاهما من أعلام تلاميذه ، وصلى عليه ابنه في داره بالكرخ ، ثم دفن في مساء اليوم الذي توفي فيه ، فانطوى بموته علم من أعلام القرن الرابع ببغداد .
هذا وللمرتضى كما لأخيه « الرضي » ضريحان قائما حتى اليوم في الكاظمية ، قرب مرقد الامام « موسى الكاظم ( ع ) » ، تسرج فيهما المصابيح ليلا ، ويقصدهما العامة للتبرك وقراءة الفاتحة ، وقد تعاقبت الأيدي على هذا منذ زمن يجهل مداه على التحقيق ، ولكنه ليس بالقريب على كل حال . يقابل ذلك حديث المؤرخين ورجال البحث الذاهب إلى أنهما ليسا مرقدي الشريفين ، وأنهما دفنا في كربلاء عند ضريح الحسين ( ع ) .
ولقد حاولت جهد الطاقة دراسة ما تقوم عليه هذه اليد ، وما يتحدث به الخاصة ، فانتهيت إلى :
1 - أن التاريخ القديم شيعيا وغير شيعي يجمع على أن كلا من الشريفين دفن في داره ( 1 ) ودارهما - بحسب ما يراه المعاصرون العارفون بخطط بغداد - ليستا حيث مرقدهما الآن .
2 - أن التاريخ الشيعي قديما وحديثا ينص على أنهما نقلا بعد الدفن في دارهما إلى كربلاء ، ( 2 ) ودفنا في مقبرة جدهما الأعلى إبراهيم المجاب ، ( 3 ) وتقع مقبرته جوار ضريح الإمام الحسين ( ع ) .
3 - إن تقليدا شيعيا شائعا منذ القرن الرابع حتى اليوم ينقل تمسكا به جثمان الملوك والوزراء والشخصيات العلمية إلى حيث يرقد الإمام الحسين ، أو الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) . وقد دفن في النجف على العهد البويهي « عضد الدولة » وابنه « شرف الدولة » و « بهاء الدولة » وكثير من الملوك والوزراء البويهيين ، وإن تكن « مقبرة قريش » في بغداد حظيت تربتها بكثير من أعلام الشيعة . ( 4 ) ( 5 ) 4 - إن تقليدا أسريا لآل « أبي أحمد » يقضي في الغالب بدفن أفراد الأسرة في « كربلاء » ، فقد دفن والد الشريفين النقيب « أبو أحمد » ( 6 ) في داره ثم نقل إلى مشهد الحسين « بكربلاء » وأن أختا للشريفين نقل جثمانهما إلى « كربلاء » ( 7 ) وأن زوجة الشريف المرتضى ( 8 ) ماتت ببغداد ونقل جثمانها إلى كربلاء ، فالملاحظ أن من تقاليد هذه الأسرة أن تتخذ من مرقد الإمام الحسين ( ع ) مدفنا لها .
عقب المرتضى
أنجب المرتضى ولدا كناه « أبا محمد » ، وكان حريصا على تربيته تربية عالية ، ولكنه - فيما ظهر لي - لم يكن على شيء من العلم ، لأنه لم يذكر في تراجم أعلام الشيعة ، وقد ذكره « ابن خلكان » بين المتوفين في حوادث 443 . وأسماه « أبا عبد الله الحسين » . تزوج « أبو محمد » هذا في حياة أبيه فاعقب ولدا ، وظل عقب « المرتضى » يطرد من ابنه هذا حتى وصل إلى « أبي القاسم » النسابة صاحب كتاب « ديوان النسب » .
قال صاحب « عمدة الطالب » : والعقب « للمرتضى » من ابنه « أبي محمد » - وهو الذي من ولده أبو القاسم النسابة صاحب كتاب « ديوان النسب » وغيره - علي بن الحسن بن محمد بن علي بن أبي جعفر محمد بن أبي عبد الله الحسين بن المرتضى . وكان للنسابة ابن اسمه « أحمد » درج ومات وانقرض به بيت الشريف المرتضى علم الهدى .
وأنجب من الإناث زينب وخديجة .
وفيما قرأت أن أخاه « الرضي » يهنيه بولادة ثلاث بنات في ثلاث قصائد :
1 -
لبست الوغى قبل ثوب الغبار
وقارعت بالنصل قبل الغرار
2 - وقد أعدها لتهنئة أخيه بمولود ذكر فلم يتفق له ذلك :
ليهنيك مولود يولد فخره
أب بشره للسائلين ذرائع
وليد لو أن الليل ردي بوجهه
لما جاوزته بالجنوب المضاجع
ومبتسم يرتج في ماء حسنه
له من عيون الناظرين فواقع
3 - يهني أخاه بميلاد ذكر فجاءته بنت فصرفها ( القصيدة ) إلى غيره .
كما شاهدته يعزي أخاه بابنتين توفيتا :
1 -
لا لوم للدهر ولا عتابا
تغاب إن الجلد من تغابى
2 -
فلا تحسبن رزء الصغائر هينا
فان وجى الأخفاف ينضي الغواربا
والذي يهمني من تعداد بنات « السيد المرتضى » وتحقيق أن له أكثر من
( 1 ) الخطيب البغدادي ج 1 ص 403 ط الخانجي ، وابن خلكان ج 4 ص 48 مطبعة النهضة وفوات الوفيات ج 2 ص 378 ط إستانبول ، والمنتظم لابن الجوزي حوادث 406 . أما ابن الأثير فقد نص على نقل جثمانه إلى كربلاء . انظر الكامل حوادث 400 .
( 2 ) رياض العلماء ص 413 نقلا عن الفاضل التنوخي ، 448 نقلا عن رجال النجاشي ، 482 نقلا عن العلامة الحلي في الخلاصة ، وروضات الجنات ج 2 ص 324 نقلا عن كتاب « الدرجات الرفيعة » وحاشية الخلاصة للشهيد ، و « زهر الرياض » و « بحر العلوم » .
( 3 ) يخالف ( أعيان الشيعة ) ما هو مشهور من أن الشريفين من أبناء إبراهيم المجاب ، وينسبهما إلى أخيه إبراهيم المرتضى . وقد ذهب إلى ذلك من قبله صاحب « عمدة الطالب » . انظر رياض العلماء ص 471 وأعيان الشيعة ترجمة إبراهيم المجاب .
( 4 ) ممن دفن بها عميد الجيوش أستاذ هرمز بأمر من الشريف الرضي ، المنتظم حوادث 401 ، 403 والملك معز الدولة ينقل من قبره ليدفن بمقابر قريش حوادث 357 .
( 5 ) انظر المنتظم وابن الأثير حوادث 373 ، 378 .
( 6 ) المصدر السابق حوادث 440 .
( 7 ) ديوان الرضى ج 1 ص 139 ط بيروت .
( 8 ) ديوان المرتضى مخطوط ج 1 ص 94 .