إلى تكميل نفسه وتثقيفها موفيا به على أبعد الغايات العلمية والأدبية . لم أعرف تحديدا مضبوطا للعام الذي بدأ به دراسته ، ولا أول الفروع التي درسها ، وإن كنت أرجح أنه الأدب ، إذ قرأه - وهو صبي ( 1 ) بين الثانية عشرة والخامسة عشرة - على « ابن نباتة » وهذا يجعلني أفترض أنه حين وجه إلى « الشيخ المفيد » لدراسة الفقه - كانت سنه لا تقل عن خمسة عشر عاما ، إذ كان معه أخوه « الرضي » والرضي ولد بعده بأربعة أو خمسة أعوام . ومن البعيد أو يذهب بالفتى إلى دراسة فقهية قبل أن يشدوا طرفا من اللغة والأدب ، ومن تلك العلوم التي تعتبر أدوات لدراسة الفقه . إن نتاجه العلمي والأدبي يدل على أنه سعى للدراسة صغيرا ، وأنه قطع شوط صباه في دراسة جدية مضنية ، حتى إذا بلغ السابعة والعشرين من عمره عد مرجعا فقهيا وكلاميا ، وبدأ الشيعة وغيرهم يتوجهون إليه بالكتب والرسائل في علمي الفقه والكلام من مختلف البلاد المسلمة . وقد وصفه المؤرخون بأنه كان نحيف الجسم ، أشرب بياض بشرته حمرة . ولا بد لي أن أقرر أن نحافة جسمه ليست من هزال أو ضعف ، ألا أن يكون ذلك الوصف له في أيام شيخوخته ، فاني لم أعهد الرجل كان شاكيا مرضا أو علة طوال أيام حياته ، وأن أسفاره المتعددة إلى مكة أميرا لتتطلب قوة جسمية عظيمة وخصوصا أن السفر في تلك الأيام كان فيه من المشاق والمخاطر ، ما لا يقوى عليه إلا رجل قوي البنية ، وأن قيامه باعمال نقابة النقباء ، وقضاء القضاة - وقد ضاق بها أبوه وأخوه الرضي وطلبا الإعفاء منها - مدة ثلاثين عاما لتستدعي من القوى الجسمية والعقلية ما لا بد من توفر الرجل على قوى خارقة بالغة . كما يبدو لي أنه كان رقيق المشاعر ، يتأثر بما ينزل باخوانه ، وياسى لأساهم ، فلا تصيب أحدهم مصيبة إلا بادر إلى المواساة ، معزيا في قصيدة ، أو مهنئا بأبيات ، مع العلم أن بين أخوانه من لا شان له في الدولة ، ولا نصيب له من جاه المال والقبيل . ولقد توفي أخوه « الرضي » وشهد الناس جنازته كافة ولكنه امتنع من شهودها ، لأنه لم يستطع أن ينظر إلى أخيه في النزع ، ولا إلى جثمانه محمولا على الأعناق ، ولاذ « بالمشهد » ( 2 ) إلى أن أعاده الوزير « فخر الملك » إلى داره ، فقعد لمجلس العزاء ، ورثاه بقصيدة تفيض لوعة وأسى ( 3 ) :
وهي قصيدة طويلة . ( 4 ) كما أنه كان كظوما للغيظ ، يلقى من أبناء عمومته من الكيد والحسد الشيء البالغ ولكنني لم أعلمه قابل أحدا منهم بالسوء . وكل ما علمته أنني رأيته يلجا إلى قول الشعر ينفس به عن نفسه ، ويلطف من حدته ، ويشير إلى ما يلقاه من أذى ، وما يلقاهم به من لطف . كان مرتضى كاسمه ، ولقد يحدث أن يكدر الجو بينه وبين أخيه ، فتسوء العلائق أو تكاد ، فلا يجد بأسا - وهو الأكبر سنا - أن يمد لأخيه الصغير يدا تسترضيه وتحييه ثم يخطب وده في قصيدة شاعرة ، يرد عليها « الرضي » بمثلها أو بأحسن منها ، فلا يلبث الجو الأخوي أن يعود تقي الجوانب ، مشرق الأنحاء :
كما يبدو حسن التصرفات ، منسجما مع عقيدته ومركزه أشد انسجام . يتغزل غزلا لا يبعد به عن مقام رجل الدين ، ويلجا إلى الأحلام - شعره في الطيف - لينفس عن عواطفه المكبوتة ، في خواطر لم يحاسب عليها مخلوق في دينه أو في دنياه ، ولم يكن كذلك شان أخيه « الرضي » ، فقد تغزل - على عفة في نفسه ينص عليها التاريخ - غزلا حارا صريحا شان المدلهين المغرمين ، وهذا ما لاحظه السيد نعمة الله الجزائري في مقاماته . ( 5 ) وينبغي أن أشير إلى أن للرجل مسلكا علميا وآخر اجتماعيا ، فهو في مسلكه العلمي صلب راسخ لا يتزحزح عن رأيه ومدرسته قيد أنملة : يحارب الأشاعرة والظاهرية ، إمامي أصولي يناهض المحدثين [ الاخبرايين ] الأخباريين من الشيعة .