بينه وبين معاصريه
فارجع النسخة إليه وترك الدنانير . ( 1 ) - قرأت بخط « محمد بن إدريس الحلي الفقيه الشيعي » قال : حكى « أبو حامد » أحمد بن محمد الأسفراييني الفقيه الشافعي قال : كنت يوما عند فخر الملك أبي غالب « محمد بن خلف » وزير بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة ، فدخل عليه « الرضي » أبو الحسن ، فأعظمه وأجله ، ورفع من منزلته ، وخلى ما كان بيده من القصص والرقاع ، وأقبل عليه يحادثه إلى أن أنصرف . ثم دخل بعده المرتضى أبو القاسم - رضي الله عنه - ، فلم يعظمه ذلك التعظيم ، ولا أكرمه ذلك الإكرام ، وتشاغل عنه برقاع يقرؤها ، وتوقيعات يوقع بها ، فجلس قليلا ، وساله أمرا فقضاه ، ثم انصرف . قال « أبو حامد » : فتقدمت إليه وقلت له : أصلح الله الوزير ، هذا « المرتضى » هو الفقيه المتكلم ، صاحب الفنون ، وهو الأفضل والأمثل منهما ، وإنما « أبو الحسن » شاعر ، قال : فقال : إذا انصرف الناس ، وخلا المجلس أجبتك عن هذه المسألة ، قال : وكنت مجمعا على الانصراف فجاءني أمر لم يكن في الحساب ، فدعت الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوض الناس واحدا فواحدا ، فلما لم يبق إلا غلمانه وحجابه دعا بالطعام ، فلما أكلنا وغسل يديه وانصرف عنه أكثر غلمانه ، ولم يبق عنده غيري ، قال لخادم له : هات الكتابين اللذين دفعتهما إليك منذ أيام ، وأمرتك أن تجعلهما في السفط الفلاني ، فأحضرهما ، فقال : هذا كتاب « الرضي » ، اتصل بي أنه قد ولد له ، فأنفذت إليه ألف دينار ، وقلت : هذا للقابلة ، فقد جرت العادة أن يحمل الأصدقاء إلى أخلائهم ، وذوي مودتهم مثل هذا في مثل هذه الحال ، فردها ، وكتب إلي هذا الكتاب فاقرأه ، فقرأته - وهو اعتذار على الرد - وفي جملته : « أننا أهل بيت لا يطلع على أحوالنا قابلة غريبة ، وإنما عجائزنا يتولين هذا الأمر من نسائنا ، ولسن ممن يأخذن أجرة ، ولا يقبلن صلة » . قال فهذا هذا . وأما « المرتضى » فإننا كنا قد وزعنا وقسطنا على الأملاك ب « بادرويا » تقسيطا نصرفه في حفر فوهة النهر المعروف « بنهر عيسى » ، فأصاب ملكا « للشريف المرتضى » بالناحية المعروفة « بالداهرية » من التقسيط عشرون درهما ، ثمنها دينار واحد ، قد كتب إلي منذ أيام في هذا المعنى هذا الكتاب ، فاقرأه ، فقرأته ، وهو أكثر من مائة سطر ، يتضمن من الخضوع والخشوع ، والاستمالة والهز ، والطلب والسؤال ، في إسقاط هذه الدراهم عن أملاكه المشار إليها ما يطول شرحه . قال « فخر الملك » : فأيهما ترى أولى بالتعظيم والتبجيل : هذا العالم المتكلم الفقيه الأوحد ونفسه هذه النفس ، أم ذلك الذي لم يشتهر إلا بالشعر ونفسه تلك النفس ؟ فقلت : وفق الله سيدنا الوزير . ( 2 ) هاتان قصتان تتفارقان مفارقة كلية ، تدل أولاهما على نبل « السيد » وسمو روحه ، وتدل الثانية على نفس متخاذلة متهالكة ، لا تحسن في سبيل التوفر على دينار واحد أن تحفظ مقامها الاجتماعي . أما الأولى فلا تكاد تبعد كثيرا عما عرف عن « السيد » من مقام اجتماعي ، وخلق نفسي ، وأما الثانية - وهي التي تبدو ناشزة على سيرة الشريف - فهي التي وعدت أن أضع بين يديك أمر النظر فيها .