حصل عليه - بإقراره - ألفا ونيفا وعشرين دينارا وسبعة آلاف وثلاثمائة درهم ، وذلك مبلغ كبير جدا إذا قيس بما كان يناله الشاعر حينئذ ( 1 ) . ويؤرخ ابن بسام هذه القصة بعام 418 وأن أبا القاسم كان في داره في ذلك العام ، وهو إذ ذاك وزير بغداد ، وهذا وهم فان أبا القاسم في ذلك العام كان وزيرا لنصر الدولة بديار بكر وميافارقين . ولدى ابن بسام بعض تفصيلات فإنه يذكر أن ذلك كان في يوم نوروز ، ودخل عليه وجوه أمراء الديلم والاسفهسلارية من الأتراك ، ووضعت الهدايا بين يديه على رسم الفرس ، وأن مهيار الديلمي استأذن عليه لما تعالى النهار ، فاذن له ، فلما مثل بين يديه قال : أيدك الله ، هذه البضاعة التي معنا كانت كاسدة وقد وجدنا لها نفاقا عندك ، فأنشده القصيدة اللامية ، وكان ابن المغربي لدى الإنشاد يستعيد الأبيات النادرة فيها ويكثر إعجابه ويجمع كفيه ويبسطهما ويقول : أحسنت والله ، أجدت والله ، ثم أباح له جميع ما كان على الأرض من دراهم ودنانير ( 2 ) . وعلى الرغم من هذا العطاء الجم فان مهيار يحكي أن الوزير المغربي لما تولى وزارة بغداد شمخ بأنفه وأظهر العسف والتجبر والاستعلاء ، ورهبة الناس ، فاحجم مهيار عن لقائه - هذا يتعين أن يكون قبل الحادثة السابقة - ثم إنه عمل فيه قصيدة بائية يقول فيها :
فاستحسن الوزير ذلك وأعطاه مائتي دينار ( 3 ) . ولكن الوزير الذي أصبح قبلة الشعراء المادحين لم يسلم من السخرية والهجاء ، فقد استكثر عليه أحدهم أن يصبح « النحوي » وزيرا ، فقال فيه :
( 4 ) ثم إن هذا الشاعر ، ويقال إنه هو أبو عبد الله الخيمي ، لقيه من بعد عند قرواش بالموصل ، أو عند نصر الدولة بميافارقين ، فدخل عليه في جملة الشعراء مادحا ، فقال له الوزير : بأي وجه تلقاني ؟ فقال : جوابي لك جواب أبي الهول الحميري للفضل بن يحيى وقد سأله مثل هذه المسألة فقال : بالوجه الذي ألقى به ربي ، وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك . وقال يمدحه :
( 5 ) ومرة أخرى تفيد المصادر أنه تولى الوزارة ببغداد « بغير خلع ولا لقب ولا مفارقة للدراعة » ( 6 ) . وتاريخ توليه الوزارة عند ابن الأثير هو شهر رمضان سنة 414 ( 7 ) ، وعند ابن العديم هو الشهر نفسه من السنة التالية ( 8 ) ، ودامت وزارته هذه المرة عشرة أشهر وخمسة أيام ( 9 ) . وحدثت وحشة بين الأثير أبي المسك عنبر الخادم ومعه الوزير المغربي وبين الأتراك ، فاستأذن الأثير وصاحبه مشرف الدولة في أن يهاجرا إلى بلد يامنان فيه على نفسيهما ، فقال لهما مشرف الدولة : أنا أسير معكما ، وهكذا كان ، فتوجه جميعهم إلى السندية وفيها قرواش ، فاستقبلهم فيها ، ثم ساروا جميعا إلى أوانا ونزلوا على أبي سنان غريب بن محمد بن مقن ( 10 ) هنالك . فلما علم الأتراك بذلك انزعجوا وأرسلوا وفدا يقدم الاعتذار ، فكتب إليهم الوزير المغربي : « إنني تأملت ما لكم من الجامكيات ، فإذا هي ستمائة ألف دينار ، وعملت دخل بغداد ، فإذا هو أربعمائة ألف دينار فان أسقطتم مائة ألف دينار تحملت الباقي » فوافقوا على ذلك ( 11 ) وعاد مشرف الدولة والأثير إلى بغداد ، ولم يعد معهما الوزير المغربي . ولدى ابن بسام رواية تختلف في بعض تفصيلاتها عن هذه الرواية السابقة إذ تذهب هذه الرواية إلى أن مشرف الدولة أوقع ببعض الأتراك على الرغم من نهي الوزير له عن ذلك ، فأبى مشرف الدولة إلا أن يركب رأسه ، فاضطرب العسكر اضطرابا اضطرهما إلى الهرب ، وأفضى بهما إلى استجارة أمير العرب . ولدى استعداد الوزير للهرب لبس ثيابا رثة ووضع على وجهه منديلا ، واستقبل غلامه نحرير في الدهليز وهو يقول ( 12 ) :
وقيل أيضا إن مشرف الدولة لم يقترح مصاحبة الوزير والأثير بل إن ابن المغربي دبر إخراجه « لحاجة في نفسه قضاها ، وخطة من مكره ألزمه إياها ، إبقاء على جلالة المقدار ، وأنفة من الانفراد بعيب الفرار » ( 13 ) . توجه الوزير المغربي إلى قرواش ، إذ يبدو أنه لم يطمئن للجند الأتراك ، أو لم يستطع أن يفي لهم بالجامكيات المطلوبة ، وحدث ما أبعده عن بغداد جملة ، إذ نشبت فتنة في الكوفة بين العلويين والعباسيين وكان الذي جر إليها خلاف بين أبي علي الزكي النهر سابسي صديق الوزير المغربي وعلي بن أبي طالب صهر الوزير المغربي من جهة ، وبين المختار أبي علي بن عبيد الله العلوي . واستعان المختار بالعباسيين لنصرته ، وسار بهم إلى بغداد