موفقا في تكلف الغزل ولا صافي الطبع ولا رقيق الحس ولا دقيق الشعور ولا قوي العاطفة ولا ذكي الفؤاد وإنما كان بريئا من هذا كله . . . بل كان دميما قبيحا بشع المنظر مضحكا لمن يراه مضحكا لمن يسمعه ويتحدث اليه . وكان أحمق مسرفا في الحمق ضعيف العقل إلى حد غريب . . . ومع هذا كله فليس من شك في أن كثيرا قد كان شاعرا مجيدا بل عظيم الحظ جدا من الإجادة ( 1 ) . . . ! ! ولعل في رد أعيان الشيعة على طه حسين ما يوفر علينا مهمة القيام بذلك . ( 2 ) ومما لا شك فيه إن الباحث الممحص لا يمكنه إلا أن يلاحظ مدى التجني على كثير في هذه القضية كتجنيهم عليه بأنه أحمق وإنه أعور ولعل أصل هذه المزاعم جميعا هو اتهامهم له بالغلو في التشيع . وأغلب الظن أن قصة كثير وعزة قصة حقيقية ذكرها المؤرخون ولو أنها لم تسلم من إضافات القصاص في بعض مواقفها وحواشيها إلا إنها إضافات تتمشى مع روحها وفصولها وجوها ولا تخل بحقيقتها . لقاؤه الأول معها - يرويه أبو الفرج : خرج كثير في فجر حياته من منزله يسوق جلب غنم إلى الجار فلما كان بوادي الخبث وقف على نسوة بني ضمرة فسألهن عن الماء . فقلن لعزة - وهي جارية قد كعب ثدياها - ارشديه . فأرشدته فأعجبته . ثم جاءته عزة بدراهم فقالت : تقول لك النسوة بعنا بهذه الدراهم كبشا من ضانك فدفع إليها كبشا وقال : ردي الدراهم . وقولي لهن إذا رجعت : اقتضيت حاجتي منكن . فلما رجع جاءته امرأة منهن بدراهمه فقال : وأين الصبية التي أخذت مني الكبش ؟ قالت : وما تصنع بها ؟ هذه دراهمك . قال : لا آخذ دراهمي إلا ممن دفعت لها الكبش . فمزحن معه وقلن : ويحك عزة جارية صغيرة وليست بها وفاء لحقك فاحمله على إحدانا فإنها أملأ به وأسرع له أداء ! فقال ما أنا بمحيل حقي عنها . فقلن له : أبيت إلا عزة . وأبرزنها اليه وهي كارهة . ثم أحبته عزة بعد ذلك أشد من حبه إياها ( 3 ) . وقد قال في هذا اليوم :
( 4 ) كما كانت عزة ربيبة عز ونعمة قد زكاها المحتد الأصيل في الحسب الرفيع فنشأت حرة مدللة خفرة مترفة كما وصفها :
وإذا كانت صورة عزة في شعر كثير بارعة الجمال فهل كانت كذلك في الواقع ؟ قالت قسيمة بنت عياض بن سعيد الأسلمية : سارت علينا عزة في جماعة من قومها بين يدي يربوع وجهينة فسمعنا بها فاجتمع جماعة من نساء الحي - أنا فيهن - فجئناها فرأيناها امرأة حلوة حميراء - بيضاء - نظيفة فتضاء لنا لها ومعها نسوة كلهن لها عليهن فضل في الجمال والخلق إلى أن تحدثت ساعة فإذا هي أبرع الناس وأحلاهم حديثا فما فارقناها إلا ولها علينا فضل في أعيننا وما نرى في الدنيا امرأة تفوقها جمالا وحسنا وحلاوة ( 5 ) وقال أحد بني جدي - أقربائها - : كانت عزة من أجمل النساء وآدبهن وأعقلهن ( 6 ) لطالما أرسل كثير تنهدات متاججة بالحسرة على حرمانه منها :
ولا بد من الإشارة في هذا المجال إلى أنه ندر كما هو عند معظم العذريين أو انعدم كما هو عند كثير التصريح بأحلام الوصال والنوال من همسة أو لمسة أو شمة أو ضمة أو قبلة أو عناق وإذا تطرق إلى ذلك فإنه لا يتجاوز غير الكلمة والنظرة . وقد تعرض أهل عزة لكثير ونهوه عن ذكرها وأوقعوا به وقعة نكراء . وقد نهاه بنو جدي عن ذكرها . فلما لم يمتثل ترصدوا له حتى ظفروا به حين رحل أهلها جالين إلى مصر . فتبعها على راحلته فزجروه فأبى إلا أن يلحقهم بنفسه فقعد له عون - أحد بني جدي - في تسعة من بني جدي على محالج ، فلما جاز بهم تحت الليل أخذوه ثم عدلوا به عن الطريق إلى جيفة حمار كانوا يعرفونها من النهار . فأدخلوه فيها وربطوا يديه ورجليه . ثم أوثقوا بطن الحمار . فجعل يضطرب فيها ويستغيث ومضوا عنه فاجتاز به خندق الأسدي فسمع استغاثته فعدل إلى الصوت فوجد في الجيفة إنسانا . فسأله من هو وما خبره فاطلقه وحمله وألحقه ببلاده ( 7 ) ومع ذلك فان لا شيء يثنيه عن عزة :