فناولها المطرف وقال : استري علي هذا . ( 1 ) وقد تعصب عليه بعض المؤرخين فزعم أنه كان أحمق لحادثة جرت بينه وبين يزيد بن عبد الملك صاحب حبابة التي ولاها يوما الخلافة . كما زعم طه حسين انه كان أعور لأن هناك من اتهم كثيرا بأنه الدجال - لأنه كان يتشيع تشيعا قبيحا والدجال في الأساطير أعور ( 2 ) بقي أن نشير إلى أن كثيرا كان ممن يتيامنون بالبوارح ويتشاءمون بالسوانح ، فان الغراب هو الذي أنذره بموت عزة كما أن ظباء سوانح وغرابا يفحص التراب بوجهه حوادث أخبرته انه لن يستطيع الزواج بامرأة من قبيلته :
( 3 ) ويستنتج من الأخبار الكثيرة انه كان على درجة متقدمة من الثقافة . فقد سبق وأشرنا إلى أنه طلب من عبد العزيز بن مروان أن يوليه الكتابة وهذا يدل على أنه كان يتقنها إلى درجة بعثت طموحه إلى أن يتقلدها لوالي مصر . كما كان كثير راوية جميل بثينة ( 4 ) ومعجبا به يعده أمامه في الحب والغزل . وأغلب الظن أنه كان يدون شعر جميل ليستعين بكتابته على حفظه وروايته . وقد كان مع معرفته بالكتابة علما من اعلام الأدب والأخبار في عصره تشد اليه الرحال التماسا لما عنده . قال حماد الراوية : قدمت المدينة فدخلت المسجد فكان أول من دفعت اليه كثير عزة . . ( 5 ) كما عرف شعره شهرة بلغت حد الأساطير ( 6 )
وفاته
ذكرت المصادر خمسة تواريخ لوفاة كثير هي سنة 104 ، 105 ، 106 ، 107 ، 115 هجرية . وأغلب الظن أنها كانت سنة 105 لأن الذي ذكر أنه توفي سنة 105 كان شاهد عيان وهو خالد بن القاسم البياضي الذي قال : مات عكرمة مولى ابن عباس وكثير عزة في يوم واحد في سنة خمس ومائة فرأيتهما جميعا صلى عليهما في موضع واحد بعد الظهر . ( 7 ) كما نستبعد أن تكون وفاته عام 106 أو 107 أي أول خلافة هشام بن عبد الملك لأننا لا نجد له شعرا فيه ولا أخبارا له معه سوى خبر واحد نرويه لما فيه من طرافة القصص الغرامي لاقناعه بصحته وهو من خيال أهل القصص الذين أحبوا أن يختموا حياة كثير وعزة بماساة تثير الشجن فقالوا : لما حج الفرزدق اجتمع بكثير ورأى غرامه بعزة - وقد تزوجت - فلما قدم الشام أخبر هشاما بذلك فقال لكاتبه اكتب اليه بالحضور إلى عندنا لنطلق عزة من زوجها ونزوجها إياه . فكتب بذلك فخرج كثير يريد دمشق . فلما سار قليلا رأى غرابا على بانة وهو يفلي نفسه وريشه يتساقط . فاصفر لونه وارتاع وجد في السير . ثم مال إلى حي من نهد فقص قصته على شيخ منهم فقال الشيخ : الغراب : اغتراب . والبانة : بين . والفلي . فرقة . فازداد حزنا فوصل إلى دمشق ووجد الناس يصلون على جنازة . فقام وصلى معهم فلما انقضت الصلاة أخبره رجل ! إن هذه عزة قد ماتت وهذه جنازتها فخر مغشيا عليه . فلما أفاق انشد :
ثم شهق شهقة فمات من ساعته ودفن مع عزة في يوم واحد . ( 8 ) والاختراع الخيالي العاطفي ظاهر في الحكاية . علما بان عزة توفيت سنة 85 للهجرة ( 9 ) في أواخر خلافة عبد الملك ورثاها بقصيدة طويلة وقد تغير شعره بعدها وقل . فقال له قائل : ما بال شعرك قصرت فيه ؟ فقال : ماتت عزة فما أطرب وذهب الشباب فما أعجب ومات ابن ليلى فما أرغب . ابن ليلى : عبد العزيز بن مروان . ( 10 ) أما التاريخ الأخير الذي جعل وفاته عام 115 هفخطأ لأن كثيرا لما مات صلى عليه وشيعه الإمام محمد الباقر ع وقد توفي الإمام الباقر سنة 114 ه . أما عمره فقد بلغ حوالي اثنتين أو ثلاث وثمانين حجة . قال المرزباني توفي عكرمة وكثير بالمدينة في يوم واحد سنة خمس ومائة في ولاية يزيد أو في أول خلافة هشام وقد زاد واحدة أو اثنين على ثمانين سنة . ( 11 ) وإذا رجحنا أنه توفي سنة 105 وإنه عاش اثنتين وثمانين سنة فالأرجح أن ميلاده كان عام 23 هجرية .
حبه عزة
كان معظم شعر كثير في الغزل . وكان معظم غزله في عزة ، ويجد الدارس في هذا القسم من شعره أحسن تصوير لقصته معها وأصدق تعبير عن حبه لها . ولكن بعض القدماء زعم أنه لم يكن صادقا في حبه . وإنما كان مدعيا يقول ابن سلام : كان جميل صادق الصبابة والعشق . ولم يكن كثير بعاشق ولكنه كان يتقول . ( 12 ) وقد ردد الأصفهاني قول ابن سلام . ( 13 ) وتلقف طه حسين هذه الإشارات ليتكلم على كثير بما يشبه الحقد فهو يعده في الغزليين ليخرجه منهم وهو لم يكن - حسب رأي الدكتور - ماهرا ولا