المدينة يبيع فيه العطر والخيط والثياب والقطران . وكانت عزة ربما تأتيه فتشتري منه العطر والثياب ( 1 ) . وفي أيام عبد الملك بن مروان استغل منزلته لديه فسأله ان يقطعه أرضا تسمى « غربا » وهي ناحية قرب المدينة فيها نخل وأشجار ففعل ( 2 ) . وكان كثير مختصا بعبد الملك بن مروان محظيا عنده يرفع مجلسه ويجزل جوائزه . كما طمح ان يتولى الكتابة لعبد العزيز بن مروان والي مصر لأخيه عبد الملك ولكنه لم يوفق إلى ذلك ( 3 ) وفي خلافة عمر بن عبد العزيز اشترى وصيفة بثلاثمائة درهم أعطاها إياه عمر بن عبد العزيز فعلمها الغناء وباعها بألف دينار ( 4 ) وكانت جائزته عند يزيد بن عبد الملك ثلاثين ألفا وكان ينشده كل قصيدة بمائة دينار . ( 5 ) وكذلك مدح أمراء الأمويين وأميراتهم وقادتهم ونال جوائزهم كبشر بن مروان ومسلمة بن عبد الملك ( 6 ) هذه هي أهم الروافد الاقتصادية لمعيشته . غير أن رعيه للإبل والغنم تم بيعها ومتاجرته في الحانوت وحصوله على « غرب » وشراءه للوصيفة وبيعها بعد تعليمها الغناء لم يكن إلا بعض وجوه نشاطه لكسب العيش . اما مهنته التي كان عليها معولة في معاشه وجميع نواحي حياته فهي قريحته الشعرية . كما يبدو انه كان لكثير عطاء سنوي كسائر الناس الذين في ديوان العطاء . فقد ذكر انه حينما كان يأخذ عطاءه يأتي ولد الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع فيهب لهم الدراهم . ( 7 )
شخصيته
كان كثير قصيرا متقارب الخلق للغاية . قيل أنه لم يكن يبلغ ضروع الإبل . وقال الوقاصي : رأيت كثيرا يطوف بالبيت فمن حدثك انه يزيد على ثلاثة أشبار فكذبه . ( 8 ) وكان إذا دخل على عبد الملك بن مروان أو أخيه عبد العزيز بن مروان يقول له : طأطئ رأسك لا يصيبه السقف ( 9 ) وكان فوق قصره الشديد مفرط الدمامة معروق القامة طويل العنق عظيم الهامة أبرش أقيشر أي شديد الحمرة كان بشرته مقشورة . ( 10 ) ومع ذلك فقد كان جريئا حاضر البديهة حديد الجنان واللسان . لقيه الفرزدق فقال له يا أبا صخر أنت أشعر العرب حيث تقول :
وهذا البيت لجميل أيضا سرقه الفرزدق . ثم قال له الفرزدق : هل كانت أمك ترد البصرة ؟ فقال كثير : لا ولكن أبي كان نزيلا لأمك ( 11 ) ودخل على عبد الملك بن مروان وعنده الأخطل فأنشده فالتفت عبد الملك إلى الأخطل فقال : كيف ترى ؟ فقال : حجازي مقرور - أي بارد ولا دسم فيه - دعني أخضمه يا أمير المؤمنين فقال كثير فهلا خضمت الذي يقول :
( 12 ) فألقمه حجرا . ومن حضور بديهته في الجواب انه مر راكبا في طريق كان الإمام محمد الباقر ع ماشيا فيه وكثير لم يره فقال له رجل : أتسير راكبا والامام يمشي ؟ فقال ان الامام أمرني بالركوب وطاعته أفضل من مخالفته . ( 13 ) أما كبرياؤه فقد كانت ابرز صفاته إذ كان من أتيه الناس واذهبهم بنفسه على كل أحد . يروى ان عمر بن أبي ربيعة اتى المدينة . ثم مل ثواءة بها فشخص وشخص معه الأحوص ولما نزلا قديدا صار إليهما نصيب فمضى الأحوص إلى بعض حاجته فرجع إلى صاحبه وقال : إني رأيت كثيرا في موضع كذا . فقال عمر فابعثوا اليه ليصير إلينا . فقال الأحوص : أهو يصير إليكم ؟ هو والله أعظم كبرا من ذلك . قال : فصاروا اليه وهو جالس على جلد كبش . فوالله ما رفع أحدا منهم ولا القرشي . ( 14 ) وكذلك كان جرير يعهد فيه هذا الشمم فيوليه الاحترام . فقد قال له : أي رجل أنت لولا قامتك ، أو قال لولا دمامتك فأجابه كثير :
( 15 ) ولا شك أن الغلو في التشامخ يعكس ما يعانيه من نقص بسبب عشابته المتناهية ويرسم المفارقة بين علو همته وضالة قامته ودمامته . ومثلما انتحل الكبرياء ليجعل لذاته منزلة منيعة في النفوس أضفى على محياه الجمال والجلال وأسبغ على نفسه البهاء والنضارة ما شاء لطاوس خيلائه ولشاعريته أن يضفي ويسبغ فقال :
( 16 ) وإنه يملأ قلوب النساء هيبة ويثير بينهن الغيرة :
( 17 ) هذه الصفات دفعت الشعراء إلى هجائه والنساء إلى التندر به وخاصة أميرات المدينة فكن يتحرشن به فيتناولن قصره ودمامته ويغاضبنه ثم ينقلبن إلى شعره في الغزل فيطرينه ويسفرن أمامه ويعرفنه بأنفسهن وقبل أن يودعنه ينفحنه ببدر الدراهم ليغرينه بالتغزل بمحاسنهن حتى يزددن حظوة عند أزواجهن أو حتى يسمع بهن في مجالس الأدب والطرب التي كانت تتجاوب اصداؤها في جنبات الحجاز والعراق والشام ومصر وبذلك تسطع كواكبهن في سماء الشهرة . ( 18 ) ولكن كثيرا على كبره وابهته لم يكن كزا زميثا بل أنه لأريحي يهش