وأهل العراق وكداعية للحرب ورافض للصلح ، الذي كان يشدد على إنجازه ، قد لجا إلى التركيز على خصمه الأنصاري ومحاولة احتوائه بما يعنيه ذلك من حسم للمشكلة التي كان الأخير أحد العوائق الأساسية فيها . فقد رفض قيس المبلغ الكبير الذي أرسله اليه معاوية ، حسب مروية اليعقوبي ، في وقت كان على رأس جيش من اثنى عشر ألفا ، لصد قوات « الشاميين » عن الكوفة . وقيل في رواية ثانية ، أن القيادة كانت لعبيد الله بن عباس ، الذي جعل قيسا على مقدمته في الطلائع وأمره الحسن ( ع ) بان « يعمل بأمر قيس بن سعد ورأيه » . ولم تشر الرواية إلى دوافع اتخاذ عبيد الله بن عباس من دون قيس ، قائدا لهذا الجيش الذي ضم الأخير كقائد فعلي له ، مما جعله يتحرك برأسين ، وتنعكس عليه صورة الوضع الداخلي المضطرب للجبهة العراقية . فلعل هذا الإجراء كانت له خلفية توازنية ، بين الأنصار الذين تصدروا تيار الحرب ، وبين المهاجرين الذين بقي لهم حضور ما في الجبهة ، كان معنويا أكثر منه سياسيا أو عسكريا ، ولكن دون ان يعدم تأثيره في الصراع السياسي ، الذي بات يدور في ظل شعارات متشابهة ، على الرغم من تفاوت الواقع وابتعادها الضمني بين الطرفين ولعله أيضا - أي الحسن ( ع ) - كان يهدف إلى زج قريبه في المعركة ودفعه إلى الواجهة ، مختبرا فيه الولاء الذي تبين أنه لم يكن صامدا ، بعد أن مالت به النفس إلى معاوية الذي أجزل له العطاء ( 1 ) ، منسحبا إلى معسكر الأخير في ثمانية آلاف من أصحابه . ولكن المسألة ربما تعدت ذلك أيضا ، إلى العلاقة بين الحسن ( ع ) ، الذي بدأ يتخذ منحى واقعيا في سياسته ، تحت تأثير المتغيرات السريعة . ويحرص ما أمكن على إنقاذ جماعته من القتل ، وجبهته من السقوط النهائي ، وبين قائده الصلب ، الذي اتخذ قراره في المقابل ، ولكن القرار الصعب الوحيد ، دون أن يملك في تلك اللحظة معطيات الخيار الآخر الذي سار فيه الحسن ( ع ) . وقد أوجد ذلك نوعا من التباين ليس بين الأخير وبينه فقط ، حين يرى الطبري أن الحسن « عرف أن قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه ، فنزعه وأقر عبد الله بن عباس » ، ولكن بينه وبين أخيه الحسين ( ع ) ، وآخرين من قادته الكبار الذين سبقت الإشارة إليهم .
معارضته للصلح
قيس آخر المبايعين لمعاوية
لقد انتهت الحرب الأكثر خطورة في تاريخ الإسلام ، بتنازل الحسن ( ع ) لمعاوية عن السلطة ، تلك التي كانت محور الصراع العنيف بين تيار جذري يقاتل من أجل الدولة - النموذج التي وضع النبي أسسها في المدينة ، وبين تيار توفيقي ، يختلط فيه الإسلام بالعصبيات القبلية وربما الإقليمية ، التي تكتلت وراء معاوية ( 2 ) وحققت له الفوز في معركة السلطة . ومن هذا المنظور ، فان الدولة الراشدية التي عارض قيامها « الأنصار » في السقيفة ، كان زعيمهم قيس بن سعد آخر المدافعين عنها في معسكره بالجزيرة . وإذا كان أبوه سعد بن عبادة قد رفض البيعة لأول الخلفاء وانتهى إلى القتل نتيجة لذلك ، فقد اختلفت الروايات حول بيعة قيس لمعاوية ، حيث اليعقوبي أشار إلى لقاء عاصف مع الأخير الذي « جثا على ركبتيه ثم أخذه بيده وقال : أقسمت عليك ! ثم صفق على كفه ، ونادى الناس : بايع قيس ! فقال كذبتم والله ما بايعت » . أما الطبري - حسب رواية الزهري ، فقد أورد أن معاوية أرسل إلى قيس بن سعد « يذكره الله ويقول على طاعة من تقاتل وقد بايعني الذي أعطيته طاعتك ، فأبى قيس أن يلين له » . ولكنه عاد فدخل في طاعته ، بعد أن « أرسل اليه بسجل قد ختم بأسفله » ، على غرار ما فعله مع الحسن ( ع ) ، حيث اشترط قيس كذلك شرطا مماثلا لما جاء في كتاب صاحبه ، انطوى على الإمامة « له ولشيعة علي » ، ولكن دون أن « يسال معاوية في سجله ذلك مالا » ، حسب الرواية نفسها . على أن قيسا ، سواء رفض البيعة ، على صعوبة - ذلك ، أم رضخ في النهاية للأمر الواقع ، فان خياراته كانت لا تزال صعبة ، حين آثر الخروج إلى الظل في المدينة ( 3 ) ، ومواجهة الواقع الجديد ، ومن ثم تسديد حسابات الموقف الأنصاري الذي جر عليه وجماعته الاضطهاد والحرمان والفقر ، ودفع أكثرها إلى بيع أملاكها للأمويين « بجزء من مائة من ثمنها » ، حسب الرواية التاريخية . فقد كان ذلك أحد أبرز الحوافز لثورة المدينة ، التي يمكن ادراجها أيضا في سياق التحرك لاستعادة السلطة إلى الحجاز بعد وفاة مؤسس الدولة الأموية ، مشكلا خروجها منه ، أو خروج الحجاز منها فيما بعد ، ضربة كبيرة لدور هذا الإقليم ، الذي ارتبط تاريخيا بالإسلام ، أكثر ما أصابت الأنصار الذين أتيحت لهم مرة أخرى المشاركة الفعلية في السلطة ، عندما اتخذ علي ( ع ) أبرز عماله منهم ، ولا سيما قيس بن سعد ، أحد الأركان الرئيسيين لهذا العهد ، والمدافع العنيد عن الدولة الراشدية . فلم تكن الأخيرة في حينها ، الدولة المثالية للأنصار . ولكنها على الأقل كانت الضامنة لجزء كبير من دورهم السياسي ، مؤديا انهيارها إلى تكريس المعادلة التي أسفرت عن فتح مكة ، مضمونا وظاهرا ، وهي سقوط الأخيرة من دون قريش والأنصار من دون