المُستَشهِدِ بِحُدوثِ الأَشياءِ عَلى أَزَلِيَّتِهِ ، وبِما وسَمَها بِهِ مِنَ العَجزِ
عَلى قُدرَتِهِ ، وبِمَا اضطَرَّها إِلَيهِ مِنَ الفَناءِ عَلى دَوامِهِ ، لَم يَخلُ مِنهُ مِكانٌ
فَيُدرَكَ بِأَيِنيَّتِهِ ، ولا لَهُ شَبَحُ مِثال فَيوصَفَ بِكَيِفِيَّتِهِ ، ولَم يَغِب عَن شَيء
فَيَعلَمَ بِحَيِثيَّتِهِ .
مباين لِجَميعِ ما أَحدَثَ فِي الصِّفاتِ ، ومُمتَنِعٌ عَنِ الإِدراكِ بِما ابتَدَعَ مِن
تَصريفِ الذَّواتِ ، وخارِجٌ بِالكِبرياءِ وَالعَظَمَةِ مِن جَميعِ تَصَرَّفِ
الحالاتِ ، مُحَرَّمٌ عَلى بَوارِعِ ناقِباتِ الفِطَنِ تَجديدُها ( 1 ) ، وعَلى غَوامِضِ
ثاقِباتِ الفِكرِ تَكييفُهُ وعَلى غَوائِصِ سابِحاتِ النَّظَرِ تَصويرُهُ .
لا تَحويهِ الأَماكِنُ لِعَظَمَتِهِ ، ولا تُدرِكُهُ المَقاديرُ لِجَلالِهِ ، ولا تَقطَعُهُ
المَقائيسُ لِكَبرِيائِهِ . مُمتَنِعٌ عَنِ الأَوهامِ أَن تَستَغرِقَهُ ، وعَنِ الأَذهانِ
أَن تُمَثِّلَهُ ، وقَد يَئِسَت مِن استِنباطِ الإِحاطَةِ بِهِ طوامِحُ العُقولِ ، ونَضَبَت عَنِ
الإِشارَةِ إِلَيهِ بِالاِكتِناهِ بِحارُ العُلومِ ، ورَجَعَت بِالصِّغَرِ عَنِ السُّمُوِّ إِلى وَصفِ
قُدرَتِهِ لَطائِفُ الخُصومِ .
واحِدٌ لا مِن عَدَد ، ودائِمٌ لا بِأَمَد ، وقائِمٌ لا بِعَمَد ، لَيسَ بِجِنس فَتُعادِلَهُ
الأَجناسُ ، ولا بِشَبَح فَتُضارِعَهُ الأَشباحُ ، ولا كَالأَشياءِ فَتَقَعَ عَلَيهِ الصِّفاتُ ،
قَد ضَلَّتِ العُقولُ في أَمواجِ تَيّارِ إِدراكِهِ ، وتَحَيَّرَتِ الأَوهامُ عَن إِحاطَةِ
ذِكرِ أَزَلِيَّتِهِ ، وحَصَرَتِ الأَفهامُ عَنِ استِشعارِ وَصفِ قدُرَتِهِ ، وغَرَقَتِ
الأَذهانُ في لُجَجِ أَفلاكِ مَلَكوتِهِ ، مُقتَدِرٌ بالآلاءِ ، ومُمتَنِعٌ بِالكِبرِياءِ ،
ومُتَمَلِّكٌ عَلَى الأَشياءِ .
هامش
1 . كذا في المصدر ، وفي التوحيد : " تحديده " وهو الأصحّ .