مُستَفحِلَة ، ولُجَجِ بِحار زاخِرَة ، تَلتَطِمُ أواذِيُّ أَمواجِها ، وتَصطَفِقُ مُتَقاذِفاتُ
أَثباجِها ، وتَرغو زَبَداً كَالفُحولِ عِندَ هِياجِها ، فَخَضَعَ جِماحُ الماءِ المُتَلاطِمِ
لِثِقَلِ حَملِها ، وسَكَنَ هَيجُ ارتِمائِهِ إِذ وَطِئَتهُ بِكَلكَلِها وذَلَّ ( ظَلَّ ) مُستَخذِياً
إِذ تَمَعَّكَت عَلَيهِ بِكَواهِلِها ، فَأَصبَحَ بَعدَ اصطِخابِ أَمواجِهِ ساجِياً مَقهوراً ،
وفي حِكمَةِ الذُّلِّ مُنقاداً أَسيراً . وسَكَنَتِ الأَرضُ مَدحُوَّةً في لُجَّةِ تَيّارِهِ ،
ورَدَّت مِن نخوة بَأوِهِ وَاعتِلائِهِ ، وشُموخِ أَنفِهِ وسُمُوِّ غُلوائِهِ ، وكَعَمَتهُ عَلى
كِظَّةِ جَريَتِهِ ، فَهَمَدَ بَعدَ نَزَقاتِهِ ، ولَبَدَ بَعدَ زَيَفانِ وَثباتِهِ .
فَلَمّا سَكَنَ هَيجُ الماءِ مِن تَحتِ أَكنافِها ، وحَملِ شَواهِقِ الجِبالِ الشُّمَّخِ
البُذَّخِ عَلى أَكتافِها ، فَجَّرَ يَنابيعَ العُيونِ مِن عَرانينِ أُنوفِها ، وفَرَّقَها في
سُهوبِ بيدِها وأَخاديدِها ، وعَدَّلَ حَرَكاتِها بِالرّاسِياتِ مِن جَلاميدِها ،
وذَواتِ الشَّناخيبِ الشُّمِّ مِن صَياخيدِها ، فَسَكَنَت مِنَ المَيَدانِ لِرَسوبِ
الجِبالِ في قِطَعِ أَديمِها ، وتَغَلغُلِها مُتَسَرِّبَةً في جَوباتِ خَياشيمِها ، ورُكوبِها
أَعناقَ سُهولِ الأَرَضينَ وجَراثيمِها .
وفَسَحَ بَينَ الجَوِّ وبَينَها ، وأَعَدَّ الهَواءَ مُتَنَسَّماً لِساكِنِها ، وأَخرَجَ إِلَيها
أَهلَها عَلى تَمامِ مَرافِقِها ، ثُمَّ لَم يَدَع جُرُزَ الأَرضِ الَّتي تَقصُرُ مِياهُ العُيونِ
عَن رَوابيها ، ولا تَجِدُ جَداوِلُ الأَنهارِ ذَريعَةً إِلى بُلوغِها ، حَتّى أَنشَأَ لَها
ناشِئَةَ سَحاب تُحيي مَواتَها ، وتَستَخرِجُ نَباتَها .
أَلَّفَ غَمامَها بَعدَ افتِراقِ لُمَعِهِ ، وتَبايُنِ قَزَعِهِ ، حَتّى إِذا تَمَخَّضَت لُجَّةُ
المُزنِ فيهِ ، وَالتَمَعَ بَرقُهُ في كُفَفِهِ ، ولَم يَنَم وَميضُهُ في كَنَهوَرِ رَبابِهِ ( 1 ) ،
هامش
1 . الكَنَهْوَر : العظيم من السحاب . والرباب : الأبيض منه ( النهاية : 4 / 207 ) .