وليس للموعظة ولسوط البلاء أن يجلوا الصّدأ عن قلوب هؤلاء المرضى
المتعصّبين ، بل ليس لإعجاز أيّ نبيٍّ أن يعالج مرضهم . لذا قال عيسى ( عليه السلام ) :
" داوَيتُ المَرضى فَشَفَيتُهُم بِإِذنِ اللهِ ، وأبرَأتُ الأَكمَهَ والأَبرَصَ بِإِذنِ اللهِ ،
وعالَجتُ المَوتى فَأَحيَيتُهُم بِإِذنِ اللهِ . وعالَجتُ الأحمَقَ فَلَم أقدِر عَلى
إصلاحِهِ ! فَقيلَ : يا روحَ اللهِ ، ومَا الأَحمَقُ ؟ قالَ : المُعجَبُ بِرَأيِهِ ونَفسِهِ ،
الَّذي يَرَى الفَضلَ كُلَّهُ لَهُ لا عَلَيهِ ويوجِبُ الحَقَّ كُلَّهُ لِنَفسِهِ ولا يوجِبُ عَلَيها
حَقَّاً ، فَذاكَ الأَحمَقُ الَّذي لا حيلَةَ في مُداواتِهِ " ( 1 ) .
ويمكن أن نقسّم المتعصّبين المعاندين الّذين لا يتسنّى زوال الحُجُب عنهم
إلى قسمين :
الأوّل : الّذين يتنبّهون ويعترفون بالحقّ إذا نزل بهم عذاب الاستئصال ، أي
البلاء الّذي يعقبه الموت والهلاك .
الثّاني : الّذين لا يتنبّهون ولا يؤثّر فيهم عذاب الاستئصال .
كان فرعون من القسم الأوّل وأبو جهل من القسم الثّاني ، لقد مُني فرعون
وأتباعه بالتّعصّب والكِبر واللَّجاجة ، وبعامّة بحجب المعرفة ، بحيث لم تنبّههم
مواعظ موسى ( عليه السلام ) ( 2 ) ، ولا احتجاجاته لإثبات التوحيد ( 3 ) ، ولا معجزاته لإثبات نبوّته ( 4 ) ،
ولا البلايا والمشكلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة ( 5 ) الّتي حلّت بهم نتيجة
مخالفتهم للحقّ ، بَيْد أنّ سوط " عذاب الاستئصال " أرغم فرعون على الاعتراف
بالحقّ : ( إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَائيلَ وَأَنَا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ) ( 6 ) !
هامش
1 . الاختصاص : 221 عن أبي الربيع الشامي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، بحار الأنوار : 14 / 323 / 36 وراجع : ج 2
ص 181 " العُجب " .
2 - 5 . النازعات : 18 و 19 ، طه : 43 و 44 ، طه : 49 و 50 ، الإسراء : 101 ، الأعراف : 130 و 133 .
6 . يونس : 90 .