تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
قال : قُتلوا يوم صفّين بين يدي عليّ بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) . فقال : ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدّم بنيك وأخّر بنيه ! قال : بل ما أنصفت أنا عليّاً إذ قُتل وبقيتُ ! قال : صف لي عليّاً . فقال : إنّ رأيت أن تُعفيني . قال : لا أُعفيك . قال : كان والله بعيد المدى وشديد القوى ، يقول عدلاً ويحكم فضلاً ، تتفجّر الحكمة من جوانبه ، والعلم من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل ووحشته ، وكان والله غزير الدمعة طويل الفكرة ، يحاسب نفسه إذا خلا ، ويقلب كفّيه على ما مضى ، يعجبه من اللباس القصير ، ومن المعاش الخشن ، وكان فينا كأحدنا يُجيبنا إذا سألناه ويُدنينا إذا أتيناه ، ونحن مع تقريبه لنا وقربه منّا لا نكلّمه لهيبته ، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته ، فإن تبسّم فعن اللؤلؤ المنظوم ، يُعظِّم أهل الدين ، يتحبّب إلى المساكين ، لا يخاف القويّ ظلمه ، ولا ييأس الضعيف من عدله . فأُقسم ، لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه ، وأرخى الليل سرباله وغارت نجومه ، ودموعه تتحادر على لحيته وهو يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول : يا دنيا أإليَّ تعرّضتِ أم إليَّ أقبلتِ ؟ غرّي غيري ، لا حان حينك ، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك ، فعيشك حقير وخطرك يسير ، آه من قلّة الزاد وبُعد السفر وقلّة الأنيس ! قال : فوكفت عينا معاوية ينشّفهما بكمّه ، ثمّ قال : يرحم الله أبا الحسن ! كان كذا فكيف صبرك عنه ؟ قال : كصبر من ذبح ولدها في حجرها ، فهي لا ترقأ دمعتها ولا تسكن عبرتها .