قال : كان والله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، طويل المدى ، شديد القوى ، كثير الفكرة ،
غزير العبرة ، يقول فصلاً ويحكم عدلاً ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة
من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويأنس بالليل ووحشته ، وكان فينا
كأحدنا يجيبنا إذا دعوناه ويعطينا إذا سألناه ، ونحن والله مع قربه لا نكلّمه لهيبته ،
ولا ندنو منه تعظيماً له ، فإن تبسّم فعن غير أشر ( 1 ) ولا اختيال ، وإن نطق فعن
الحكمة وفصل الخطاب ، يعظّم أهل الدِّين ، ويُحبّ المساكين ، ولا يطمع الغنيّ
في باطله ، ولا يوئس الضعيف من حقّه ، فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد
أرخى الليل سدوله وهو قائم في محرابه ، قابض على لحيته يتململ تململ
السليم ويبكي بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا يا دنيا ، إليك عنّي أبي تعرّضت أم لي
تشوّقت ؟ لا حان حينك ، هيهات غرّي غيري لا حاجة لي فيك ، قد طلّقتك ثلاثاً
لا رجعة فيها ، فعيشك قصير ، وخطرك يسير ، وأملك حقير ، آه من قلّة الزاد ،
وطول المجاز ، وبُعد السفر ، وعظيم المورد !
قال : فوكفت ( 2 ) دموع معاوية ما يملكها ، ويقول : هكذا كان عليّ ( عليه السلام ) ، فكيف
حزنك عليه يا ضرار ؟
قال : حزني عليه والله حزن من ذُبح واحدُها في حجرها فلا ترقأ دمعتها
ولا تسكن حرارتها ( 3 ) .
راجع : ( 4 ) القسم التاسع / عليّ عن لسان أصحابه / ضرار بن ضمرة .
هامش
( 1 ) الأشَرُ : البَطَر . وقيل : أشدُّ البَطر ( النهاية : 1 / 51 ) .
( 2 ) وَكَفَ الدَّمْعُ : إذا تَقَاطَر ( النهاية : 5 / 220 ) .
( 3 ) خصائص الأئمّة ( عليهم السلام ) : 70 ، نهج البلاغة : الحكمة 77 وفيه من " فأشهد لقد رأيته " إلى " عظيم
المورد " ، عدّة الداعي : 195 وفي ذيله " فكيف كان حُبّك إيّاه ؟ قال : كحبّ أُمّ موسى لموسى ، وأعتذر
إلى الله من التقصير ، قال : فكيف صبرك عنه يا ضرار ؟ قال : صبر من ذبح ولدها على صدرها ؛ فهي
لا ترقأ عبرتها ولا تسكن حرارتها . ثمّ قام وخرج وهو باك . فقال معاوية : أما إنّكم لو فقدتموني
لما كان فيكم من يثني عليَّ من هذا الثناء . فقال له بعض من كان حاضراً : الصاحب على قدر
صاحبه " ؛ مروج الذهب : 2 / 433 وج 3 / 25 عن أبي مخنف وفيه ذيله ، حلية الأولياء :
1 / 84 ، تاريخ دمشق : 24 / 401 كلاهما عن أبي صالح وكلّها نحوه وراجع المناقب لابن
شهرآشوب : 2 / 103 .