عُرف أن لا قرين له .
ضادّ النور بالظلمة ، والوضوح بالبهمة ، والجمود بالبلل ، والحَرور بالصرْد ( 1 ) .
مؤلّفٌ بين متعادياتها ، مقارن بين متبايناتها ، مُقرِّب بين متباعداتها ، مفرّق بين
متدانياتها . لا يُشمَل بحدّ ، ولا يُحسَب بعدٍّ ، وإنّما تَحُدّ الأدوات أنفسها ، وتُشير
الآلات إلى نظائرها .
منعتها " منذ " القِدْمةَ ، وحمتها " قد " الأزليّةَ ، وجنّبتها " لولا " التكملةَ ( 2 ) ! بها
تجلّى صانعها للعقول ، وبها امتنع عن نظر العيون ، ولا يجري عليه السكون
والحركة ، وكيف يجري عليه ما هو أجراه ، ويعود فيه ما هو أبداه ، ويحدث فيه ما
هو أحدثه ! إذاً لتفاوتت ذاته ، ولتجزّأ كنهه ، ولامتنع من الأزل معناه ، ولكان له
وراء إذ وجد له أمام ، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان . وإذاً لقامت آيةٌ المصنوع
فيه ، ولتحوّل دليلا بعد أن كان مدلولا عليه ، وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثّر
فيه ما يؤثّر في غيره .
الذي لا يحول ولا يزول ، ولا يجوز عليه الأُفول . لم يلد فيكون مولوداً ،
ولم يولد فيصير محدوداً . جلّ عن اتّخاذ الأبناء ، وطهر عن ملامسة النساء .
هامش
( 1 ) الحرور : الريح الحارّة بالليل ، وقد تكون بالنهار . والصرَد : البَرد وقيل : شِدّته ( لسان العرب : 4 / 177
وج 3 / 248 ) .
( 2 ) قال ابن أبي الحديد ما خلاصته : تقدير الكلام - على القول بنصب القدمة والأزليّة والتكملة - : أنّ
إطلاق لفظة " منذ " على الآلات والأدوات يمنعها عن كونها قديمة ؛ لأنّ لفظة " منذ " وضعت لابتداء
الزمان ، والقديم لا ابتداء له . . . .
وتقديره - على القول برفعها - أنّ قِدم الباري وأزليّته وكماله منعت الأدوات والآلات من إطلاق لفظة " منذ "
و " قد " و " لولا " عليه سبحانه ؛ لأنّ الله تعالى قديم كامل ، ولفظتا " منذ " و " قد " لا يطلقان إلاّ على
محدَث ، ولفظة " لولا " لا تُطلَق إلاّ على ناقص . . . ( شرح نهج البلاغة : 13 / 76 و 77 ) .