الليل غُمضَها ، حتى إذا غلب الكَرى عليها افترشَت أرضَها ، وتَوسّدت كفّها ، في
معشر أسهر عيونَهم خوفُ معادهم ، وتجافَت عن مضاجعهم جنوبُهم ، وهَمهَمت
بذِكر ربّهم شفاهُهم ، وتقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم ؛ ( أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ
حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ( 1 ) .
فاتّقِ الله يا بن حنيف ، ولتكفُف أقراصُك ، ليكون من النار خلاصُك ( 2 ) .
4195 - عنه ( عليه السلام ) : والله ما دنياكم عندي إلاّ كسفر على منهل حلّوا ، إذ صاح بهم
سائقهم فارتحلوا ، ولا لذاذَتها في عيني إلاّ كحميم أشربه غسّاقاً ، وعلقم أتجرّعه
زُعاقاً ، وسمّ أفعى أُسقاه دهاقاً ، وقلادة من نار أُوهقها ( 3 ) خناقاً .
ولقد رَقعتُ مِدرعتي هذه حتى استحييتُ من راقعها ، وقال لي : اقذف بها
قذف الأُتُن ، لا يرتضيها ليرقعها . فقلت له : اغرُب عنّي فعند الصباح يحمد القوم
السرى ( 4 ) ، وتنجلي عنّا علالات الكرى .
ولو شئت لتسربلت بالعبقريُ المنقوش من ديباجكم ، ولأَكلتُ لُبابَ هذا البُرّ
بصدور دجاجكم ، ولشربتُ الماء الزلال برقيق زجاجكم ، ولكنّي أصدّق الله
جلّت عظمته حيث يقول : ( مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا
وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الآَخِرَةِ إِلاَّ
هامش
( 1 ) المجادلة : 22 .
( 2 ) نهج البلاغة : الكتاب 45 .
( 3 ) الوَهَق : حبل كالطِّوَل ؛ تُشدّ به الإبل والخيل لئلاّ تنِدّ ( النهاية : 5 / 233 ) .
( 4 ) عند الصباح يحمد القوم السُّرى : مثلٌ يُضربُ للرجل يحتمل المشقّة رجاء الراحة ( مجمع الأمثال :
2 / 318 / 2382 ) .