أعينوني بورع واجتهاد ، وعفّة وسداد . فوَالله ما كنزتُ من دنياكم تِبراً ( 1 ) ، ولا
ادّخرتُ من غنائمها وَفْراً ( 2 ) ، ولا أعددتُ لبالي ثوبي طِمراً .
بلى ! كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء ، فشَحّت عليها نفوس قوم ،
وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، ونِعْمَ الحكمُ الله . وما أصنعُ بفدك وغير فدك ،
والنفسُ مظانُّها في غد جَدَث ، تنقطعُ في ظلمته آثارها ، وتغيبُ أخبارها ، وحفرةٌ
لو زِيدَ في فُسحتها ، وأوسعت يَدا حافرها ، لأضغطها الحجر والمدر ، وسَدّ فُرجها
التراب المتراكم .
وإنّما هي نفسي أروضها بالتقوى ؛ لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر ، وتثبتُ على
جوانب المزلق . . . .
ولو شئتُ لاهتديتُ الطريق إلى مصفّى هذا العسل ، ولُبابِ هذا القمح ، ونَسائج
هذا القزّ ، ولكن هيهاتَ أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تَخيّر الأطعمة ،
ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت
مبطاناً وحولي بُطونٌ غرثى وأكبادٌ حرّى ، أو أكون كما قال القائل :
وحَسبُكَ داءً أن تَبيتَ بِبِطنة * وحَولُك أكبادٌ تَحِنُّ إلى القِدِّ
أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ، ولا أُشاركهم في مكاره الدهر ،
أو أكون أُسوةً لهم في جشوبة العيش ! فما خُلقتُ ليشغلني أكل الطيّبات ، كالبهيمة
المربوطة ؛ همّها علفها ، أو المُرسَلة ؛ شغلها تَقمُّمها ، تكترش من أعلافها ، وتلهو
هامش
( 1 ) التِّبْر : هو الذهب والفضّة قبل أن يُضربا دنانير ودراهم ، وقد يطلق التِّبْر على غيرهما من المعدنيّات ؛
كالنحاس والحديد والرصاص ، وأكثر اختصاصه بالذهب ( النهاية : 1 / 179 ) .
( 2 ) الوَفْر : المال الكثير ( النهاية : 5 / 210 ) .