قُلّد أبي وكان غير خليق للخير ، فركب هواه ، واستحسن خطأه ، وعظم رجاؤه ،
فأخلفه الأمل ، وقصر عنه الأجل ، فقلّت منعته ، وانقطعت مدّته ، وصار في
حفرته ، رهناً بذنبه ، وأسيراً بجرمه .
ثمّ بكى ، وقال : إنّ أعظم الأُمور علينا علمنا بسوء مصرعه وقبح منقلبه ، وقد
قتل عترة الرسول ، وأباح الحرمة ، وحرق الكعبة ، وما أنا المتقلّد أُموركم ،
ولا المتحمّل تبعاتكم ، فشأنكم أمركم ، فوَالله لئن كانت الدنيا مغنماً لقد نلنا منها
حظّاً ، وإن تكن شرّاً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها ( 1 ) .
9 / 22
النِّسائي ( 2 )
3987 - فتح الباري : قال أحمد وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو عليّ
النيسابوري : لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر ممّا جاء في
هامش
( 1 ) تاريخ اليعقوبي : 2 / 254 .
( 2 ) أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن عليّ بن سنان النسائي : صاحب السنن ، ولد بنسا في سنة ( 215 ه ) .
قال محمّد بن موسى المأموني : سمعت قوماً ينكرون على أبي عبد الرحمن النسائي كتاب
" الخصائص " لعليّ ( عليه السلام ) وتركه تصنيف فضائل الشيخين فذكرت له ذلك ، فقال : دخلت دمشق
والمنحرف بها عن عليّ كثير فصنّفت كتاب : " الخصائص " رجوت أن يهديهم الله تعالى ، ثمّ إنّه صنّف
بعد ذلك " فضائل الصحابة " فقيل له - وأنا أسمع - : ألا تُخرج فضائل معاوية ؟ فقال : أيّ شيء أُخرج ؟ !
حديث : " اللهمّ لا تُشبع بطنه " ؟ ! فسكت السائل .
روى أبو عبد الله بن مندة عن حمزة العقبي المصري وغيره أنّ النسائي خرج من مصر في آخر
عمره إلى دمشق فسئل بها عن معاوية وما جاء في فضائله ، فقال : لا يرضى رأساً برأس حتى يفضّل ! !
قال : فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى أُخرج من المسجد ، ثمّ حمل إلى مكّة فتوفّي بها . كذا قال ،
وصوابه : إلى الرملة . وكانت وفاته سنة ( 303 ه ) ( راجع تهذيب التهذيب : 1 / 93 / 66 ، سير أعلام النبلاء :
14 / 125 / 67 ) .