" فاعمل فيما وليت عمل من يحبّ أن يدّخر حسن الثناء من الرعيّة ، والمثوبة
من الله ، والرضا من الإمام . ولا قوّة إلاّ بالله " .
ثمّ انظر في حال كتّابك " فاعرف حال كل امرئ منهم فيما يحتاج إليه منهم ،
فاجعل لهم منازل ورتباً " ، فولّ على أُمورك خيرهم ، واخصص رسائلك التي
تُدخل فيها مكيدتك وأسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأدب ، " ممّن يصلح
للمناظرة في جلائل الأُمور ، من ذوي الرأي والنصيحة والذهن ، أطواهم عنك
لمكنون الأسرار كشحاً " ، ممّن لا تُبطره الكرامة ، " ولا تمحق به الدالّة ( 1 ) "
فيجترئ بها عليك في خلاء ، أو يلتمس إظهارها في ملاء ، ولا تقصر به الغفلة عن
إيراد كتب الأطراف عليك ، وإصدار جواباتك على الصواب عنك ، وفيما يأخذ
ويعطي منك ، ولا يضعف عقداً اعتقده لك ، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ،
ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأُمور ؛ فإنّ الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره
أجهل .
" وولّ ما دون ذلك من رسائلك وجماعات كُتب خَرجِك ودواوين جنودك
قوماً تجتهد نفسك في اختيارهم ؛ فإنّها رؤوس أمرك ، أجمعها لنفعك ، وأعمّها
لنفع رعيّتك " .
ثمّ لا يكن اختيارك إيّاهم على فراستك واستنامتك ( 2 ) وحسن الظنّ بهم ، فإنّ
الرجال يعرفون فراسات الولاة بتصنّعهم وخدمتهم وليس وراء ذلك من النصيحة
والأمانة ، ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك ، فاعمد لأحسنهم كان في
هامش
( 1 ) أدَلّ عليه : وثق بمحبّته فأفرط عليه ، والاسم الدالّة ( لسان العرب : 11 / 247 ) .
( 2 ) استَنامَ إلى الشيء : استَأنَس به ، واستنامَ فلان إلى فلان : إذا أنسِ به واطمأنّ إليه وسكنَ ( لسان العرب :
12 / 598 ) .