بعقوبة ، ولا تسرعنّ إلى بادرة ( 1 ) وجدت عنها مندوحة ( 2 ) ، ولا تقولنّ : إنّي مُؤمّر ؛
آمر فأُطاع ؛ فإنّ ذلك إدغال ( 3 ) في القلب ، ومنهكة ( 4 ) للدين ، وتقرّب من الفتن ،
فتعوّذ بالله من درك الشقاء .
وإذا أعجبك ما أنت فيه من سلطانك فحدثت لك به أُبّهة أو مخيلة فانظر إلى
عظم ملك الله فوقك ، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك ؛ فإن ذلك
يُطامِن ( 5 ) إليك من طِماحك ( 6 ) ، ويكفّ عنك من غربك ( 7 ) ، ويَفئُ إليك ما عزب ( 8 )
من عقلك .
وإيّاك ومساماته في عظمته ، أو التشبه به في جبروته ؛ فإنّ الله يُذلّ كلّ جبّار ،
ويُهين كلّ مختال فخور .
أنصف الله ، وأنصف الناس من نفسك ومن خاصّتك ومن أهلك ومن لك فيه
هوى من رعيتك ؛ فإنّك إلاّ تفعل تظلم ، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون
عباده ، ومن خاصمه الله أدحض حجّته ، وكان لله حرباً حتى ينزع ويتوب .
وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة من إقامة على ظلم ؛ فإنّ الله يسمع دعوة
المظلومين ، وهو للظالمين بمرصاد ، ومن يكن كذلك فهو رهين هلاك في الدنيا
هامش
( 1 ) البادِرَة : الحِدّة ، وهو ما يَبدر من حِدّةِ الرجل عند غضبه من قول أو فعل ( لسان العرب : 4 / 48 ) .
( 2 ) لي عن هذا الأمر مَندوحة : أي مُتّسعٌ ( لسان العرب : 2 / 613 ) .
( 3 ) أدغلَ في الأمر : أدخل فيه ما يُفسِده ويخالفه ( لسان العرب : 11 / 244 ) .
( 4 ) النَّهك : التنقّص ( لسان العرب : 10 / 499 ) .
( 5 ) طامَنَ ظهره : إذا حنى ظهره ( لسان العرب : 13 / 268 ) والمراد يُخفض ويسكن .
( 6 ) الطِّماح : مثل الجِماحِ ، والطَّماح : الكبرِ والفخر ( لسان العرب : 2 / 534 ) .
( 7 ) الغَرْب : الحِدّة ( لسان العرب : 1 / 641 ) .
( 8 ) أعزب عنه حلمه وعزب : ذهب ( لسان العرب : 1 / 596 ) .