يا أهل الكوفة ! قد أتاني الصريخ يخبرني أنّ أخا غامد قد نزل الأنبار ( 1 ) على
أهلها ليلاً في أربعة آلاف ، فأغار عليهم كما يُغار على الروم والخزَر ، فقتل بها
عاملي ابن حسّان وقتل معه رجالاً صالحين ذوي فضل وعبادة ونجدة ، بوّأ الله
لهم جنّات النعيم ، وأنّه أباحها ، ولقد بلغني أنّ العُصبة من أهل الشام كانوا
يدخلون على المرأة المسلمة والأُخرى المعاهدة فيهتكون سترها ، ويأخذون
القناع من رأسها ، والخُرْصَ ( 2 ) من أُذُنها ، والأوضاح ( 3 ) من يديها ورجليها
وعَضُديها ، والخلخال والمئزر من سُوقِها ، فما تمتنع إلاّ بالاسترجاع والنداء : يا
لَلمسلمين ، فلا يُغيثها مغيثٌ ، ولا ينصرها ناصر .
فلو أنّ مؤمناً مات من دون هذا أسفاً ما كان عندي ملوماً ، بل كان عندي بارّاً
محسناً .
وا عجباً كلّ العجب ، من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم ، وفشلكم عن
حقّكم ! قد صرتم غرضاً يُرمى ولا ترمون ، وتُغْزَون ولا تَغزون ، ويُعصى الله
وترضَون ، تَرِبت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها ، كلّما اجتمعت من
جانب تفرّقت من جانب ( 4 ) .
هامش
( 1 ) الأنبار : مدينة صغيرة كانت عامرة أيّام الساسانيّين ، وآثارها غرب بغداد على بُعد ستين كيلو متراً
مشهودة . وسبب تسميتها بالأنبار هو أنّها كانت مركزاً لخزن الحنطة والشعير والتبن للجيوش ، وإلاّ فإنّ
الإيرانيّين كانوا يسمّونها " فيروز شاپور " .
فتحت على يد خالد بن الوليد عام ( 12 ه ) وقد اتّخذها السفّاح - أوّل خلفاء بني العبّاس - مقرّاً له مدّة
من الزمان .
( 2 ) الخُرْص : الحَلْقة الصغيرة من الحَلْي ، وهو من حَلْي الأُذُن ( النهاية : 2 / 22 ) .
( 3 ) الأوضاح : نوع من الحُلِيّ يُعمل من الفضّة ، سُمّيتْ بها لبياضها ( النهاية : 5 / 196 ) .
( 4 ) الإرشاد : 1 / 278 ، الاحتجاج : 1 / 409 / 89 نحوه ، بحار الأنوار : 34 / 135 / 956 .