من هلك منّا وفارقنا ، فإنّ ذلك أقوى لنا على عدوّنا .
فأقبلت بكم حتى إذا أطللتم على الكوفة أمرتكم أن تنزلوا بالنُّخَيلة ( 1 ) ، وأن
تلزموا معسكركم ، وأن تضمّوا قواضبكم ( 2 ) ، وأن توطّنوا على الجهاد أنفسكم ،
ولا تكثروا زيارة أبنائكم ونسائكم . فإنّ أصحاب الحرب المصابروها ، وأهل
التشمير فيها الذين لا ينوحون من سهر ليلهم ولا ظمأ نهارهم ولا خمص بطونهم
ولا نصب أبدانهم ، فنزلت طائفة منكم معي معذّرة ، ودخلت طائفة منكم المصر
عاصية ، فلا من بقي منكم ثبت وصبر ، ولا من دخل المصر عاد إليّ ورجع ،
فنظرت إلى معسكري وليس فيه خمسون رجلاً ، فلمّا رأيت ما أتيتم دخلت
إليكم فما قدرت على أن تخرجوا معي إلى يومنا هذا .
فما تنتظرون ؟ أما ترون إلى أطرافكم قد انتقصت ، وإلى أمصاركم قد
افتتحت ، وإلى شيعتي بها بعد قد قتلت ، وإلى مسالحكم ( 3 ) تعرى ، وإلى بلادكم
تغزى ، وأنتم ذوو عدد كثير ، وشوكة وبأس شديد ، فما بالكم ؟ لله أنتم ! من أين
تؤتون ؟ وما لكم أنّى تؤفكون ؟ ! وأنّى تسحرون ؟ ! ولو أنّكم عزمتم وأجمعتم لم
تراموا ، ألا إنّ القوم قد اجتمعوا وتناشبوا وتناصحوا وأنتم قد ونيتم وتغاششتم
وافترقتم ، ما أنتم إن أتممتم عندي على ذي سعداء ، فأنبهوا نائمكم واجتمعوا
هامش
( 1 ) النُّخَيلَة - تصغير نخلة - : موضع قرب الكوفة على سمت الشام ، وهو الموضع الذي خرج إليه الإمام
علي ( عليه السلام ) ( معجم البلدان : 5 / 278 ) .
( 2 ) القضِيب : السيف اللطيف الدقيق ، والجمع قواضب ( لسان العرب : 1 / 679 ) .
( 3 ) المَسْلَحَة : وهي كالثغر والمرقب فيه أقوام يرقبون العدوّ لئلاّ يطرقهم على غفلة ، فإذا رأوه أعلموا
أصحابهم ليتأهّبوا له ، والجمع مسالح ( النهاية : 2 / 388 ) .