ولكن بمن ، وإلى من ؟ أُريد أن أُداوي بكم وأنتم دائي ؛ كناقش الشوكة
بالشوكة وهو يعلم أنّ ضَلْعَها ( 1 ) معها ! اللهمّ قد ملّت أطبّاءُ هذا الداء الدويّ ، وكلّت
النَّزَعة بأشطان الرَّكِيّ !
أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فقبلوه ، وقرؤوا القرآن فأحكموه ، وهِيجوا
إلى الجهاد فوَلِهوا وَلَهَ اللِّقاح إلى أولادها ، وسلبوا السيوف أغمادها ، وأخذوا
بأطراف الأرض زحفاً زحفاً ، وصفّاً صفّاً . بعضٌ هلك ، وبعضٌ نجا . لا يُبَشَّرون
بالأحياء ، ولا يُعَزَّون عن الموتى . مُرْهُ العيون من البكاء ، خمص البطون من
الصيام ، ذبل الشفاه من الدعاء ، صفر الألوان من السهر ، على وجوههم غبرة
الخاشعين .
أُولئك إخواني الذاهبون . فحقّ لنا أن نظمأ إليهم ، ونعضّ الأيدي على فراقهم .
إنّ الشيطان يُسنِّي لكم طُرُقَه ، ويريد أن يَحُلّ دينكم عقدة عقدة ، ويُعطيكم
بالجماعة الفرقة ، وبالفرقة الفتنة ، فاصدفوا عن نزغاته ونَفَثاته ، واقبلوا النصيحة
ممّن أهداها إليهم ، واعقِلوها على أنفسكم ( 2 ) ( 3 ) .
هامش
( 1 ) ضَلْعها : أي ميلها ( النهاية : 3 / 96 ) .
( 2 ) قال ابن أبي الحديد ما ملخّصه :
العُقدة : الرأي الوثيق . الدويّ : الشديد . النزَّعَة : جمع نازع ؛ وهو الذي يستقي الماء . الأشطان :
جمع شَطَن ؛ وهو الحبل . الرَّكيّ : الآبار ؛ جمع رَكيّة . الوَلَه : شدَّة الحبّ حتى يذهب العقل . اللِّقاح :
الإبل ، والواحدة لقوح ؛ وهي الحلوب . أخذوا بأطراف الأرض : أي أخذوا على الناس بأطراف
الأرض ؛ أي حصروهم . لا يبشّرون بالأحياء . . . . : أي إذا ولد لأحدهم مولود لم يبشّر به . مَرهَت عينُ
فلان : إذا فسدت لترك الكُحل . يُسنّي : يُسهّل . صدف عن الأمر : انصرف عنه . أعقلوها على أنفسكم :
أي اربطوها والزموها ( شرح نهج البلاغة : 7 / 292 - 296 ) .
( 3 ) نهج البلاغة : الخطبة 121 ، الاحتجاج : 1 / 438 / 99 وفيه إلى " الرَّكِيّ " ، بحار الأنوار :
33 / 362 / 597 وراجع الاختصاص : 156 .