تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء ( 1 ) مجتمعة ، والأهواء مؤتلفة ، والقلوب معتدلة ، والأيدي مترادفة ، والسيوف متناصرة ، والبصائر نافذة ، والعزائم واحدة . ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين ، وملوكاً على رقاب العالمين ؟ فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أُمورهم حين وقعت الفرقة ، وتشتّتت الأُلفة ، واختلفت الكلمة والأفئدة ، وتشعّبوا مختلفين ، وتفرّقوا متحاربين ، قد خلع الله عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته . وبقي قصص أخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين . فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل ( عليهم السلام ) ؛ فما أشدّ اعتدال الأحوال ، وأقرب اشتباه الأمثال . تأمّلوا أمرهم في حال تشتّتهم وتفرّقهم ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم ، يحتازونهم عن ريف الآفاق ، وبحر العراق وخضرة الدنيا إلى منابت الشِّيح ، ومهافي الريح ، ونَكَد المعاش . فتركوهم عالة مساكين ، إخوان دَبَر وَوَبَر ، أذلّ الأُمم داراً ، وأجدَبهم قراراً . لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، ولا إلى ظلّ أُلفة يعتمدون على عزّها . فالأحوال مضطربة ، والأيدي مختلفة ، والكثرة متفرّقة . في بلاء أزْل ، وإطباق جهل ! من بنات موؤودة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة . فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً ، فعقد بملّته طاعتهم ، وجمع على دعوته أُلفتهم . كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها ، وأسالت لهم جداول نعيمها ، والتفّت الملّة بهم في عوائد بركتها . فأصبحوا في نعمتها غَرِقِين ، وفي خضرة عيشها فَكِهين . قد تربّعت الأُمور بهم ، في ظلّ سلطان قاهر ، وآوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب . وتعطّفت الأُمور عليهم في ذرى ملك ثابت . فهم حكّام على العالمين ، وملوك في أطراف الأرضين . يملكون الأُمور على من كان
هامش
( 1 ) جمع ملأ ؛ أشراف الناس ورؤساؤهم ومقدّموهم الذي يُرجَع إلى قولهم ( النهاية : 4 / 351 ) .
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ — صفحة 248 | محمد الريشهري / السيد محمد كاظم الطباطبائي / السيد محمود الطباطبائي نژاد