فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء ( 1 ) مجتمعة ، والأهواء مؤتلفة ، والقلوب
معتدلة ، والأيدي مترادفة ، والسيوف متناصرة ، والبصائر نافذة ، والعزائم واحدة .
ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين ، وملوكاً على رقاب العالمين ؟ فانظروا إلى
ما صاروا إليه في آخر أُمورهم حين وقعت الفرقة ، وتشتّتت الأُلفة ، واختلفت
الكلمة والأفئدة ، وتشعّبوا مختلفين ، وتفرّقوا متحاربين ، قد خلع الله عنهم لباس
كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته . وبقي قصص أخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين .
فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل ( عليهم السلام ) ؛ فما أشدّ اعتدال
الأحوال ، وأقرب اشتباه الأمثال . تأمّلوا أمرهم في حال تشتّتهم وتفرّقهم ليالي
كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم ، يحتازونهم عن ريف الآفاق ، وبحر العراق
وخضرة الدنيا إلى منابت الشِّيح ، ومهافي الريح ، ونَكَد المعاش . فتركوهم عالة
مساكين ، إخوان دَبَر وَوَبَر ، أذلّ الأُمم داراً ، وأجدَبهم قراراً . لا يأوون إلى جناح
دعوة يعتصمون بها ، ولا إلى ظلّ أُلفة يعتمدون على عزّها . فالأحوال مضطربة ،
والأيدي مختلفة ، والكثرة متفرّقة . في بلاء أزْل ، وإطباق جهل ! من بنات
موؤودة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة .
فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً ، فعقد بملّته طاعتهم ،
وجمع على دعوته أُلفتهم . كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها ، وأسالت لهم
جداول نعيمها ، والتفّت الملّة بهم في عوائد بركتها . فأصبحوا في نعمتها غَرِقِين ،
وفي خضرة عيشها فَكِهين . قد تربّعت الأُمور بهم ، في ظلّ سلطان قاهر ، وآوتهم
الحال إلى كنف عزّ غالب . وتعطّفت الأُمور عليهم في ذرى ملك ثابت . فهم حكّام
على العالمين ، وملوك في أطراف الأرضين . يملكون الأُمور على من كان
هامش
( 1 ) جمع ملأ ؛ أشراف الناس ورؤساؤهم ومقدّموهم الذي يُرجَع إلى قولهم ( النهاية : 4 / 351 ) .