الناس ، فأخذ أبو بكر الراية من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثمّ نهض فقاتل قتالاً شديداً ، ثمّ
رجع فأخذها عمر فقاتل قتالاً شديداً هو أشدّ من القتال الأوّل ، ثمّ رجع فأخبر
بذلك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
فقال : أما والله لأُعطينّها غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ،
يأخذها عَنْوَة ( 1 ) . وليس ثَمَّ عليٌّ ؛ كان قد تخلّف بالمدينة لرمد لحقه ، فلمّا قال
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مقالته هذه تطاولت لها قريش ، فأصبح فجاء عليّ على بعير له حتى
أناخ قريباً من خباء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وهو أرمد قد عصب عينيه .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ما لك ؟ قال : رمدتُ بعدك ، فقال له : ادن منّي . فدنا منه ،
فتفل في عينيه ، فما شكا وجعاً حتى مضى لسبيله . ثمّ أعطاه الراية ، فنهض بها
وعليه حلّة حمراء ، فأتى خيبر ، فأشرف عليه رجل من يهود فقال : مَن أنت ؟
قال : أنا عليّ بن أبي طالب ، فقال اليهوديّ : غُلبتم يا معشر يهود ! !
وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مِغْفَر ( 2 ) يمانيّ قد نقبه مثل البيضة على
رأسه وهو يقول :
قد علمت خيبر أنّي مرحبُ * شاكي السلاح بطل مجرَّبُ
فقال عليّ :
أنا الذي سمّتني أُمّي حيدره * أكيلكم بالسيف كَيل السَّنْدَره ( 3 )
ليثٌ بغابات شديد قسوره
هامش
( 1 ) العَنْوَة : القهر ، وأُخِذت البلاد عنوةً بالقَهْر والإذلال ( لسان العرب : 15 / 101 ) .
( 2 ) زَرَد [ أي حَلِق ] ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة ( لسان العرب : 5 / 26 ) .
( 3 ) السَّنْدرة : ضرب من الكيل غرّاف جرّاف واسع ، يقول : أُقاتلكم بالعَجَلة ، وأُبادركم قبل الفِرار
( تاج العروس : 6 / 547 ) .