الكرينة ، والعود المزهر ، وكان غناء أهل اليمن بالمعازف وإيقاعها جنس واحد ، وغناؤهم جنسان : حنفي ، وحميري ، والحنفي أحسنهما ، ولم تكن قريش تعرف من الغناء الا النصب ، حتى قدم النضر بن الحارث بن كلَدَة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي من العراق وافداً على كسرى بالحِيرَة ، فتعلم ضرب العود والغناء عليه ، فقدم مكة ، فعلم أهلها ، فاتخذوا القينات .
اثر الغناء :
والغناء يرق الذهن ، ويلين العريكة ، ويبهج النفس ويسرها ، ويشجع القلب ، ويسخي البخيل ، وهو مع النبيذ يعاونان على الحزن الهادم للبدن ، ويحدثان له نشاطاً ، ويفرجان الكرب ، والغناء على الانفراد يفعل ذلك ، وفضل الغناء على المنطق كفضل المنطق على الخرس ، والبرء على السقم ، وقد قال الشاعر :
لا تبعثن على همومك إذ ثَوَتْ
غير المدام ونغمة الأوتار
فلله در حكيم استنبطه ، وفيلسوف استخرجه ، أي غامض أظهر ؟
وأي مكنون كشَفَ ؟ وعلى أي فن دلّ ؟ وإلى اي علم وفضيلة سبق ، فذلك نسيجُ وَحْدِه ، وقريع دهره .
وقد كانت الملوك تنام على الغناء ليسري في عروقها السرور ، وكانت ملوك الأعاجم لا تنام الا على غناء مطرب ، أو سمر لذيذ ، والعربية لا تنوم ولدَها وهو يبكي ، خَوْفَ ان يسري الهم في جسده ، ويدب في عروقه ، ولكنها تنازعه وتضاحكه حتى ينام وهو فَرِحٌ مسرور ، فينمو جسده ، ويصفو لونه ودمه ، ويشف عقله ، والطفل يرتاح إلى الغناء ، ويستبدل ببكائه ضحكا .
وقد قال يحيى بن خالد بن برمك : الغناء ما أطربك فأرقصك ، وأبكاك فأشجاك ، وما سوى ذلك فبَلاء وهم .