الأتراك تؤذي العوام بمدينة السلام بجريها الخيولَ في الأسواق وما ينال الضعفاء والصبيان من ذلك ، فكان أهل بغداد ربما ثاروا ببعضهم فقتلوه عند صدمه لامرأةٍ أو شيخٍ كبير أو صبي أو ضرير ، فعزم المعتصم على النقلة منهم ، وأن ينزل في فضاء من الأرض ، فنزل البراذان على أربعة فراسخ من بغداد ، فلم يستطب هواءها ، ولا اتسع له هواؤها ، فلم يزل يتنقل ويتقرَّي المواضع والأماكن إلى دجلة وغيرها حتى انتهى إلى الموضع المعروف بالقاطول ، فاستطاب الموضع ، وكان هناك قرية يسكنها خلق من الجرامقة وناس من النَّبَطِ على النهر المعروف بالقاطول آخذاً من دجلة ، فبنى هناك قصرا وبنى الناس وانتقلوا من مدينة السلام ، وخلت من السكان إلا اليسير ، وكان فيما قاله بعض العيَّارينَ في ذلك معيراً للمعتصم بانتقاله عنهم :
أيا ساكن القاطولِ بين الجرامِقةْ
تركتَ ببغداد الكِباشَ البطارقه
ونالت من مع المعتصم شدة عظيمة لبرد الموضع وصلابة أرضه ، وتأذَّوْا بالبناء ، ففي ذلك يقول بعض من كان في الجيش :
قالوا لنا إنّ بالقاطول مَشْتانا
فنحن نأمل صنع الله مولانا
الناس يأتمرون الرأي بينهمُ
والله في كل يوم مُحْدِثٌ شأنا
تخطيط سامرا :
ولما تأذى المعتصم بالموضع وتعذر البناء فيه خرج يتقرّى المواضع ، فانتهى إلى موضع سامرا ، وكان هناك للنصارى دير عاديُّ ، فسأل بعض أهل الدير عن اسم الموضع ، فقال : يعرف بسامرا ، قال له المعتصم :
وما معنى سامرا ؟ قال : نجدها في الكتب السالفة والأمم الماضية أنها مدينة سام بن نوح ، قال له المعتصم : ومن أي بلاد هي ؟ وإلام تضاف ؟ قال : من بلاد طبرهان ، وإليها تضاف ، فنظر المعتصم إلى فضاء واسع تسافر فيه الأبصار ، وهواء طيب ، وأرض صحيحة ، فاستمرأها واستطاب هواءها ، وأقام هنا لك ثلاثا يتصيد في كل يوم ، فوجد نفسه تتوقُ إلى الغذاء ، وتطلب الزيادة على العادة الجارية ، فعلم أن ذلك لتأثير الهواء والتربة والماء ، فلما