قال : فجعلت أصرف الكلام ، قال : فضحك وقال : هذا بعد ما دخل في عيني أو قبل ذلك ؟ قال : فارْفَضَضْتُ عَرَقاً وعلمت أنه قد سمع ما كنا فيه ، ورأى ما قد داخلني ، فقال : يغفر الله لك يا أحمد ، لقد فرحت بما ظننت أنه أحزنك إذ سمعته وعلمت أنه نوع من أنواع الانبساط والأنس . المعتصم وعلي بن الجنيد : وكان المعتصم يأنس بعلي بن الجنيد الإسكافي ، وكان عجيب الصورة عجيب الحديث ، فيه سلامة أهل السواد ( 1 ) ، فقال المعتصم يوماً لمحمد بن حَمَّاد : اذهب بالغداة إلى علي بن الجنيد ، فقل له يتهيأ حتى يزاملني ، فأتاه فقال : إن أمير المؤمنين يأمرك أن تزامله ، فتهيأ لشروط مزاملة الخلفاء ومعادلتهم فقال علي بن الجنيد : وكيف أتهيأ ؟ أهيئ لي رأساً غير رأسي ؟ أأشتري لحية غير لحيتي ! أأزيد في قامتي ! أنا متهيء وفضلة ، قال : لست تدري بعدُ ما شروط مزاملة الخلفاء ومعادلتهم ! فقال علي بن الجنيد : وما هي ؟ هات يا من تَدْري ، قال له ابن حماد وكان أديباً ظريفاً وكان برسم الحجاب : شرط المعادلة الإمتاع ( 2 ) بالحديث والمذاكرة والمناولة ، وأن لا يبزق ، ولا يسعل ، ولا يتنحنح ، ولا يمخط ، وألا يتقدم الرئيسَ في الركوب إشفاقاً عليه من الميل ، وأن يتقدمه في النزول ، فمتى لم يفعل المعادل هذا كان هو والمثقلة الرصاص التي تعدل بها القبة سَواءً ، وليس له أن ينام وإن نام الرئيس ، بل يأخذ نفسه بالتيقظ ، ومراعاة حال من هو معه وما هو راكبه ، لأنهما إذا ناما جميعاً فمال جانب لا يشعر بميله كان في ذلك ما لا خفاء به ، وعلي بن الجنيد ينظر إليه ، فلما أكثر عليه في هذا الوصف والشروط قطع عليه كلامه وقال كما يقول أهل السَّواد : آه حرها ، اذهب له فقل له : ما يزاملك إلا من أمُّه زانية وهو كشخان ، فرجع ابن حماد ، فقال للمعتصم ما قال ، فضحك المعتصم وقال : جئني به ، فجاءه ، فقال : يا علي ، أبعث إليك تزاملني فلا تفعل ؟ فقال : إن رسولك هذا
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 461
مساهمون: المسعودي
ص٤٦١
هامش
( 1 ) في نسخة : سلاسة أهل السواد .
( 2 ) في نسخة : الامتناع .