وكان المأمون يقول : سادة الناس في الدنيا الأسخِياء ، وفي الآخرة الأنبياء ( 1 ) وإن الرزق الواسع لمن لا يستمتع به بمنزلة طعام على ميزاب البخل : لو كان طريقاً ما سلكته ، ولو كان قميصاً ما لبسته . وحضر المأمون إمْلاكاً لبعض أهل بيته ، فسأله بعض من حضر أن يخطب ، فقال : الحمد لله ، المحمود الله ، والصلاة على المصطفى رسول الله ، وخير ما عمل به كتاب الله ، قال الله تعالى : ( وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ، إن يكونوا فقراء يُغنيهم الله من فضله ، والله واسع عليم ) ، ولو لم يكن في المناكحة آية محكمة ولا سنة مُتَّبعة إلا ما جعل الله في ذلك من تأليف البعيد والقريب السارع اليه الموفَّق المصيب ، وبادر اليه العاقل النجيب ، وفلان من قد عرفتموه في نسب لم تجهلوه ، خَطب إليكم فتاتكم فلانة ، وبذل لها من الصداق كذا وكذا ، فشفَّعوا شافعنا ، وأنكحوا خاطبنا ، وقولوا خيراً تحمدوا عليه وتؤجَروا ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم . بين ثمامة ويحيى بن أكثم عند المأمون : وذكر ثمامة بن أشرس قال : كنا يوماً عند المأمون ( 2 ) ، فدخل يحيى بن أكثم وكان قد ثقل عليه موضعي منه ، فتذاكرنا شيئاً من الفقه ، فقال يحيى في مسألة دارت : هذا قول عمر ابن الخطاب وعبد الله بن مسعود وابن عمرو وجابر . قلت : أخطأوا كلهم ، وأغفلوا وجه الدلالة ، فاستعظم مني ذلك يحيى وأكبره ، وقال : يا أمير المؤمنين ، إن هذا يخطِّئ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم ، فقال المأمون : سبحان الله ! ! أكذا يا ثُمامة ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، ان هذا لا يبالي ما قال ولا ما شنَّع به ، ثم أقبلت عليه فقلت : ألست تزعم أن الحق في واحد عند الله عز وجل ؟ قال : نعم ، قلت : فزعمت أن تسعة
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 420
مساهمون: المسعودي
ص٤٢٠
هامش
( 1 ) في نسخة : الأتقياء .
( 2 ) في نسخة : في مجلس المأمون .