تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠

وهذه الصفة في عصرنا معدومة ، ومستحيل وجودها ، ومتعذر كونها ، ومتعسر رؤيتها . محمد المهدي والشرقي بن القطامي : وروى ابن عياش وابن دأب أن المنصور كان قد ضمَّ الشرقي بن القطامي إلى المهدي ، حين خلفه بالري ، وأمره أن يأخذه بحفظ أيام العرب ، ومكارم الأخلاق ، ودراسة الأخبار ، وقراءة الأشعار ، فقال له المهدي ذات ليلة : يا شرقي أرح قلبي بشيء يلهيه قال : نعم أصلح الله الأمير ، ذكروا انه كان في ملوك الحيرة ملك له نديمان قد نزلا من قلبه منزلة مكينة ( 1 ) ، وكانا لا يفارقانه في لهوه وأنسه ومنامه ويقظته ، ومقامه وظعنه ، وكان لا يقطع أمراً دونهما ، ولا يصدر إلا عن رأيهما ، فغبر بذلك دهراً طويلا ، فبينا هو ذات ليلة في شربه ولهوه إذ غلب عليه الشرابُ فأزال عقله ، فدعا بسيفه وانتضاه ، وشدَّ عليهما فقتلهما ، وغلبته عيناه فنام ، فلما أصبح سأل عنهما فأخْبر بما كان منه ، فأكَبَّ على الأرض عاضا لها تأسفاً عليهما وجزعاً لفراقهما ، وامتنع من الطعام والشراب ، ثم حلف لا يشرب شراباً يزعج قلبه ما عاش ، وواراهما وبنى على قبريهما قبة ، وسماهما الغريَّينِ ، وسن أن لا يمر بهما أحد من الملك فمن دونه إلا سجد لهما ، وكان إذا سن الملك منهم سنة توارثوها ، وأحْيَوْا ذكرها ولم يميتوها ، وجعلوها عليهم حكما واجباً ، وفرضاً لازماً ، وأوصى بها الآباء أعقابَهمْ ، فغبر الناس بذلك دهراً طويلا ، لا يمر بقبريهما أحد من صغير ولا كبير إلا سجد لهما ، فصار ذلك سنة لازمة وأمراً كالشريعة والفريضة ، وحكم فيمن أبى أن يسجد لهما بالقتل بعد أن يحكم له بخصلتين يجاب إليهما كائنا ما كانتا ، قال : فمر يوماً قَصَّار معه كارة ثياب وفيها مُدُقَّته ، فقال الموكلون بالغريَّينِ للقصار : اسجد ، فأبى أن يفعل ، فقالوا

هامش
( 1 ) في نسخة « منزلة نفسه » .
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 320 | المسعودي