إني على ما لقيت منكم
لمعجَبٌ منكم بدائي
شتَّان ما بينكم وبيني
في نصح حبي ، وفي وفائي
منحتكم صَبْوتي وودي
فكان ذا منكُم جزائي
وحدث المبرد محمد بن يزيد أن رَيطة ابنة أبي العباس السفاح وجهت إلى عبد الله بن مالك الخزاعي في شراء رقيق للعتق ، وأمرت جاريتها عتبة - وكانت لها ثم صارت إلى الخيزران بعدها - أن تحضر ذلك ، فإنها لجالسة إذ جاء أبو العتاهية في زي متنسك فقال : جعلني الله فداك ! أنا شيخ ضعيف كبير لا يَقْوَى على الخدمة ، فان رأيت أعزك الله ان تأمري بشرائي وعتقي فعلت مأجورة ، فأقبلت على عبد الله ، فقالت : إني لأرى هيئة جميلة وضعفاً ظاهراً ، ولساناً فصيحاً ورجلا بليغا ، فاشتره وأعتقه ، فقال : نعم فقال أبو العتاهية : أتأذنين لي أصلحك الله في تقبيل يدك شكراً لك على جميل فعلك وما أوليتني فأذنت له ، فقبَّلَ يدها وانصرف ، فضحك عبد الله ابن مالك ، وقال : أتدرين من هذا ؟ قالت : لا ، قال : هذا أبو العتاهية ، وإنما احتال عليك حتى قبل يدك فسترَتْ وجهها خجلا ، وقالت : سَوْأة لك يا أبا العباس ، أمثلك يعبث ؟ إنما اغتررنا بكلامك ، وقامت فلم تعد اليه .
ولأبي العتاهية أشعار حسان سنذكرها في أخبار من يرد من الخلفاء ، وسنذكر لمعاً من اخباره وما استحسناه من اشعاره وذكر وفاته ولو لم يكن لأبي العتاهية سوى هذه الأبيات التي أبان فيها عن صدق الإخاء ومحض الوفاء لكان مبرزاً على غيره ، ممن كان في عصره وهي :
ان أخاكَ الصِّدق من كان معك
ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك
شتت شمل نفسه كي يجمعك