نعم ، قال : ما هي ؟ قال : أن لا تبعث إلي حتى آتيك ، قال : اذاً لا نلتقي ، قال : هي حاجتي ، فمضى وأتبعه المنصور بطرفه ، ثم قال :
كلكم يمشي رُوَيْدْ
كلكم يطلب صَيْدْ
غير عمرو بن عبيد
ودخل عمرو بن عبيد على المنصور بعد ما بايع للمهدي ، فقال له : يا أبا عثمان هذا ابن أمير المؤمنين ، وولي عهد المسلمين ، فقال له عمرو : يا أمير المؤمنين ، أراك قد وطَّدْتَ له الأمور ، وهي تصير اليه ، وأنت عنه مسؤول ، فاستعبر المنصور وقال له : عظني يا عمرو ، قال : يا أمير المؤمنين ، إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها ، فاشتر نفسك منه ببعضها ، وإن هذا الذي أصبح في يديك لو بقي في يد غيرك لم يصل إليك ، فاحذر ليلة تمخض بيوم لا ليلة بعده ، وأنشد :
يا أيها ذا الذي قد غرَّه الأمل
ودون ما يأمل التنغيص والأجل
ألا ترى إنما الدنيا وزينتها
كمنزل الركب حَلُّوا ثُمَّتَ ارتحلوا
حتفوها رَصَدٌ ، وعيشها نكد
وصفوها كدر ، وملكها دُوَلُ
تظل تقرع بالروعات ساكنها
فما يسوغ له لين ولا جدل
كأنه للمنايا والرَّدى غرَضٌ
تظل فيه بنات الدهر تنتضل
والنفس هاربة ، والموت يَرْصُدُها
وكل عثرة رجل عندها زلل
والمرء يسعى لما يبقى لوارثه
والقبر وارث ما يسعى له الرجل
موت عمرو بن عبيد :
ومات عمرو بن عبيد في أيام المنصور سنة أربع وأربعين ومائة ، وقيل : سنة خمس وأربعين ومائة ، ويكنى أبا عثمان ، وهو عمرو بن عبيد بن باب ، مولى بني تميم ، وكان جده باب من سَبْي كابل من رجال السند ، وكان شيخ المعتزلة في وقته ومفتيها ، وله خطب ورسائل وكلام كثير في العدل والتوحيد وغير ذلك . وقد أتينا على أخباره والغرر من كلامه ومناظراته في كتابنا في « المقالات في أصول الديانات » .