من الملك والاستبشار بحديثه ، وإن في ذلك أمرين : أحدهما ما يظهر من حسن أدبه ، فإنه يعطي ( 1 ) الملك حقه بحسن الاستماع لحديثه والاستغراب له منه كأنه لم يسمعه ، وإظهار السرور والاستفادة منه ، فالنفس إلى الفوائد من الملوك والحديث عنهم أشهى وأقرب منها إلى فوائد السوقة وما أشبهها . معاوية وابن شجرة الرهاوي : وقد ذكر جماعة من الأخباريين كابن دأب وغيره نحو هذا المعنى عن معاوية بن أبي سفيان ، ويزيد بن شجرة الرهاوي ، وهو ان ابن شجرة كان يساير ذات يوم معاوية وكان آنساً به ، والى حديثه تائقاً ، ومعاوية مقبل عليه يحدثه عن جزعان يوم كان لبني مخزوم وغيرهم من قريش ، كان فيه حرب عظيمة فني فيه خلق من الناس ، وذلك قبل الإسلام ، وقيل : إن ذلك كان قبل الهجرة ، وكانت لأبي سفيان فيه مكرمة سابقة في الرياسة ، وهو أنه لما أشرف الفريقان على الفناء صعد على نشز من الأرض ثم صاح بالفريقين ، وأشار بكمه ، فانصرف الفريقان جميعاً انقياداً إلى أمره ، وكان معاوية معجباً بهذا الحديث ، فبينما هو يحدثه به ويزيد بن شجرة مقبل عليه ، وقد استخفتهما لذة المحدث والمستمع إذ صك جبين يزيد بن شجرة حجرٌ عائر فأدماه ، فجعلت الدماء تسيل على وجهه ولحيته وثوبه ، وغير ذلك ، ولم يتغير عما كان عليه من الاستماع ، فقال له معاوية : لله أنت يا ابن شجرة ، اما ترى ما نزل بك ؟ قال : وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال : هذا دم يسيل على ثوبك ، قال : أعتق ما أملك إن لم يكن حديث أمير المؤمنين ألهاني حتى غمر فكري وغطى على قلبي ، فما شعرت بشيء مما حدث ، حتى نبهني عليه أمير المؤمنين ، فقال معاوية : لقد ظلمك من جعلك في الف من العطاء ، وأخرجك عن عطاء أبناء المهاجرين والجماهير ممن حضر معنا بصفين ، ثم أمر له وهو في مسيره بخمسمائة ألف درهم ، وزاده في عطائه الفاً من الدراهم ، وجعله بين جلده وثوبه .
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 268
مساهمون: المسعودي
ص٢٦٨
هامش
( 1 ) في نسخة : يوفي الملك حقه .