قال ابن عباس : رأيت في هذا اليوم علياً وعليه عمامة بيضاء ، وكأن عينيه سراجاً سَليط ، وهو يقف على طوائف الناس في مراتبهم يحثهم ويحرضهم ، حتى انتهى إليّ وأنا في كثيف من الناس ، فقال :
يا معشر المسلمين ، عموا الأصوات ، وأكملوا اللأمة ، واستشعروا الخشية ، وأقلقوا السيوف في الأجفان قبل السلَّة ، والحظوا الشزْر ، واطعنوا الهبر ، ونافحوا بالظبا ، وصلوا السيوف بالخطا والنبال بالرماح ، وطيبوا عن أنفسكم أنفسا ، فإنكم بعين الله ، ومع ابن عم رسول الله ، عاودوا الكرَّ ، واستقبحوا الفرَّ ، فإنه عار في الأعقاب ، ونار يوم الحساب ودونكم هذا السواد الأعظم ، والرواق المطَنَّب ، فاضربوا نَهْجَه فإن الشيطان راكب صعيده ، مفترش ذراعيه ، قد قدم للوثبة يداً وأخر للنكوص رجْلًا ، فصبراً جميلًا حتى تنجلي عن وجه الحق .
وأنتم الأعلون والله معكم ولن يَتِرَكم أعمالكم .
وتقدم عليّ للحرب على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهباء وخرج معاوية في عدد أهل الشام ، فانصرفوا عند المساء وكلٌّ غير ظافر .
وخرج في اليوم التاسع - وهو يوم الخميس - عليٌّ ، وخرج معاوية فاقتتلوا إلى ضحوة من النهار ، وبرز أمام الناس عبيد الله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من الخضرية معممين بشقاق الحرير الأخضر متقدمين للموت يطلبون بدم عثمان ، وابن عمر يقدمهم وهو يقول :
أنا عُبيد الله يَنميني عُمر
خير قريش من مضى ومن غبر
غير نبي الله والشيخ الأغر
قد أبطأت في نصر عثمان مُضرْ
والربعيون ، فلا أسقوا المطر
فناداه علي : ويحك يا ابن عمر ، علام تقاتلني ؟ والله لو كان أبوك حياً ما قاتلني ، قال : أطالب بدم عثمان ، قال : أنت تطلب بدم