وارتحل معاوية عن الموضع ، وورد الأشتر ، وقد كشف الأشعث القومَ عن الماء ، وأزالهم عن مواضعهم ، وورد عليٌّ فنزل في الموضع الذي كان فيه معاوية ، فقال معاوية لعمرو بن العاص : يا أبا عبد الله ، ما ظنك بالرجل أتراه يمنعنا الماء لمنعنا إياه ؟ وقد كان انحاز بأهل الشام إلى ناحية في البر نائية عن الماء ، فقال له عمرو : لا ، إن الرجل جاء لغير هذا ، وإنه لا يرضى حتى تدخل في طاعته أو يقطع حبل عاتقك ، فأرسل اليه معاوية يستأذنه في وروده مَشْرَعَتَه واستقاء الناس من طريقه ودخول رسله في عسكره ، فأباحه على كل ما سأل وطلب منه .
ولما كان أول يوم من ذي الحجة - بعد نزول عليّ على هذا الموضع بيومين - بعث إلى معاوية يدعوه إلى اتحاد الكلمة والدخول في جماعة المسلمين ، وطالت المراسلة بينهما ، فاتفقوا على الموادعة إلى آخر المحرم من سنة سبع وثلاثين وامتنع المسلمون عن الغزو في البحر والبر لشغلهم بالحروب ، وقد كان معاوية صالح ملك الروم على مال يحمله اليه لشغله بعلي ، ولم يتم بين علي ومعاوية صلح على غير ما اتفقا عليه من الموادعة في المحرم ، وعزم القوم على الحرب بعد انقضاء المحرم ، ففي ذلك يقول حابس بن سعد الطائي صاحب راية معاوية :
فما دونَ المنايا غيرُ سبع
بقين من المحرم أو ثمان
ولما كان في اليوم الآخر من المحرم قبل غروب الشمس بعث عليٌّ إلى أهل الشام : إني قد احتججت عليكم بكتاب الله ، ودعوتكم اليه ، وإني قد نبذت إليكم على سَوَاء ، إن الله لا يهدي كيد الخائنين ، فلم يردوا عليه جوابا إلا « السيف بيننا وبينك أو يهلك الأعجز منا » .