تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩

وقد قال الحكيم أبقراط : ان تغير حالات الهواء هو الذي يغير حالات الناس : مرة إلى الغضب ، ومرة إلى السكون ، والى الهم والسرور وغير ذلك ، وإذا استوت حالات الهواء استوت حالات الناس وأخلاقهم . وقال : ان قوى النفس تابعة لمزاجات الأبدان ، ومزاجات الأبدان تابعة لتصرف الهواء : إذا برد مرة وسخن ( 1 ) أخرى خرج الزرع نضيجاً ومرة غير نضيج ، ومرة قليلا ومرة كثيراً ، ومرة حاراً ومرة بارداً ، فتتغير لذلك صورهم ومزاجاتهم ، وإذا اعتدل الهواء واستوى خرج الزرع معتدلا ، فاعتدل بذلك الصور والمزاجات . الاستدلال بالأقاليم على تأثير الهواء : فأما علة تشابه صور الترك فإنه لما استوى هواء بلدانهم في البرد استوت صورهم وتشابهت ، وكذلك أهل مصر لما استوت أهواؤهم تشابهت صورهم ، ولما كان الغالب على هواء الترك البرد وعجزت الحرارة عن تنشيف رطوبات أبدانهم كثرت شحومهم ، ولانت أبدانهم ، وتشبهوا بالنساء في كثير من أخلاقهم ، فضعفت شهوة الجماع فيهم ، وقل ولدهم ، لبرد مزاجهم ، وللرطوبة الغالبة عليهم . وقد يكون ضعف الشهوة أيضا لكثرة ركوب الخيل . وكذلك نساؤهم : لما سمنت ابدانهن ورطبت ضعفت أرحامهن عن جذب الزرع إليها . وأما حمرة ألوانهم فللبرد كما ذكرنا ، لأن البياض إذا الحت عليه البرودة صار إلى الحمرة ، وبيان ذلك ان أطراف الأصابع والشفة والأنف إذا أصابها برد شديدٌ احمرت . وذكر الحكيم أبقراط ان في بعض البلدان من الجنوب بلدة

هامش
( 1 ) في نسخة : إذا برد مرة وسكن أخرى .