[ 18 ] فقد تحصّل بما تقدّم أنّ الصورة العلميّة كيفما كانت ، مجرّدة من المادّة خاليةٌ عن القوّة . وإذ كانت كذلك فهي أقوى وجوداً من المعلوم المادّيّ الذي يقع عليه الحسّ ، وينتهي إليه التخيّل والتعقل ، ولها آثار وجودها المجرّد . وأمّا آثار وجودها الخارجيّ المادّيّ الّذي نحسبه متعلّقاً للإدراك فليست آثاراً للمعلوم بالحقيقة ، الذي يحضر عند المدرك حتّى تترتّب عليه أو لاتترتّب . وإنما هو الوهم يُوهِم للمدرِك أنّ الحاضر عنده حالَ الادراك هو الصورة المتعلقة بالمادّة خارجاً فيطلب آثارها الخارجيّة فلا يجدها معها ، فيحكم بأنّ المعلوم هو الماهيّة بدون ترتُّب الآثار الخارجيّة .
[ 19 ] فالمعلوم عند العلم الحصوليّ بأمر له نوع تعلّق بالمادّة هو موجود مجرّد هو مبدء فاعليّ لذلك الأمر ، واجدٌ لما هو كماله ، يحضر بوجودها الخارجيّ للمدرِك ، وهو علم حضوريّ ، ويتعقّبه انتقال المدرك إلى ما لذلك الأمر من الماهيّة والآثار المترتّبة عليه في الخارج . وبتعبير آخر : العلم الحصوليّ اعتبارٌ عقليٌّ يُضطرّ إليه العقل ، مأخوذ من معلوم حضوريّ هو موجود مجرّد مثاليٌّ او عقليٌّ حاضر بوجوده الخارجيّ للمدرِك ، وإن كان مدركاً من بعيد .
[ 20 ] ولْنرجعْ إلى ماكنّا بصدده من الكلام في تعريف العلم ، فنقول : حصول العلم ووجوده للعالِم ممّا لا ريب فيه ، وليس كلّ حصول كيف كان ، بل حصول أمر هو بالفعل فعليّة محضة لا قوّة فيه لشيء أصلًا ، فإنّا نجد بالوجدان أنّ الصورة العلميّة من حيث هي لاتقوى على صورة اخرى ، ولا تَقبل التغيُّر عمّا هو عليه من الفعليّة ، فهو حصول المجرّد من المادّة ، عارٍ من نواقص القوّة ونسمّي ذلك حضوراً .
[ 21 ] فحضور شيءٍ لشيء حصولُه له ، بحيث يكون تامَّ الفعليّة غير متعلّق بالمادّة ، بحيث يكون ناقصاً من جهة بعض كمالاته التي في القوّة .
[ 22 ] ومقتضي حضور العلم للعالِم أن يكون العالِم أيضاً تامّاً ذا فعليّة في نفسه ، غيرَ ناقص من حيث بعض كمالاته الممكنة له ، وهو كونه مجرّداً من المادّة خالياً عن القوة ، فالعلم حصول أمر مجرّدٍ من المادّة لأمر مجردٍ ، وإن شئت قلت : حضور شيءٍ لشيءٍ .
ترجمه و شرح نهاية الحكمة ( فارسى ) — صفحة 22
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٢