مقعده من النار ( 1 ) . وحديث ( ولا يقوم الرجل ) ، ظاهره اختصاص الجالس مجالسه ، وربما
ينزل ما دل على كراهته كذلك على نحو كراهته لملاذ الدنيا ، وزهده في القيام كزهده في
مباحاتها .
فقد روى أبو سعيد الخدري أن سعدا جاء على حمار ، فلما دنا من المسجد ، قال
النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار : قوموا إلى سيدكم ( 2 ) .
وعن عائشة قالت : كنت جالسة متربعة ، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم
فأردت القيام ، كما هي عادتي عند دخوله ، فمنعني ( 3 ) . فأن فيه دلالة على أن ذلك كان
معتادا لها ، ولعل هذا المنع كان لسبب خاص ، أو كزهد الدنيا ، وكسر النفس .
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما قدم جعفر مبشرا بفتح خيبر ،
قام ، فقال : ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا ، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر ( 4 ) .
وقيام الاحتمال في هذه الأخبار لا يمنع الاستناد إليها كما لا يخفى على أولي
الأنظار مع ما ورد في الأخبار الكثيرة ، من استحباب تعظيم المؤمن ، ويدخل في تعظيم
شعائر الله على نحو ما ورد في التفاسير المعتبرة .
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجلس معنا في المسجد
يحدثنا ، فإذا قام قمنا لقيامه ، حتى نراه دخل بعض بيوت أزواجه .
وعن واثلة ( 5 ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن للمسلم لحقا
إذا رآه أخوة تزحزح له ، رواه البيهقي في شعب الايمان ( 6 ) .
هامش
( 1 ) سنن أبي داود ( كتاب الأدب ) ، حديث 4552 ، وسنن الترمذي ( كتاب الأدب ) ، حديث
2679 .
( 2 ) سنن أبي داود ، حديث 5216 .
( 3 ) أيضا ، حديث 5217 .
( 4 ) علق العلامة الشيخ قاسم الدلبزي ( ناسخ الكتاب ) على هذا الموضوع بقوله :
( لقائل أن يقول : إن حديث ( جعفر ) ليس فيه دلالة على المطلوب لأن قول النبي
صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما أدري أنا بأيهما أشد فرحا ) لا دلالة فيه لاحتمال
أن يكون من جمعة الفرح ، يعني ما أدري فرحي لقدوم جعفر ، أو لفتح خيبر ، لأن مطلوبنا
القيام ، وهذا لا دلالة فيه على أن القيام كان من النبي لجعفر من جمعة فرحه بفتح
خير .
وذلك حديث أبي هريرة ، وحديث واثلة لأن قول الأصحاب ( قمنا قياما ) ، حتى قوله
( دخل بيوت بعض أزواجه ) لا دلالة فيه على أنهم قائمين - هكذا وردت في الأصل - له
صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذا قوله في حديث واثلة : ( فإذا رآه أخوه تزحزح له )
لاحتمال أن يكون التزحزح ، والتفسح بمعنى واحد . والمنكر لا ينكر التفسح ) .
( 5 ) واثلة بن الأسقع بن كعب ، توفي سنة 83 ه / 702 م بدمشق عن ( 105 ) سنين .
( 6 ) سنن البيهقي ، ( كتاب شعب الأيمان ) .