وربّيت حتّى صار جلداً ( 1 ) شمردلاً ( 2 ) * إذا قام ساوى غارب ( 3 ) الفحل غاربه
وقد كنت أُوتيه من الزاد في الصبي * إذا جاع منه صفوه وأطايبه
فلمّا استوى في عنفوان شبابه * وأصبح كالرمح الردينى ( 4 ) خاطبه ( 5 )
تهضّمني ( 6 ) مالي كذا ولوى يدي * لوى يده الله الذي هو غالبه
ثمّ حلف بالله ليقدمنّ إلى بيت الله الحرام ، فيستعدي الله عليّ ( 7 ) ، قال : فصام
أسابيع ، وصلّى ركعات ، ودعا وخرج متوجّهاً على عيرانة ( 8 ) يقطع بالسير عرض
الفلاة ، ويطوي الأودية ويعلو الجبال ، حتّى قدم مكّة يوم الحجّ الأكبر ، فنزل عن
راحلته ، وأقبل إلى بيت الله الحرام ، فسعى وطاف به ، وتعلّق بأستاره ، وابتهل بدعائه ،
وأنشأ يقول :
يا من إليه أتى الحجّاج بالجهد * فوق المهاد ( 9 ) من أقصى غاية البعد
إنّي أتيتك يا من لا يخيّب من * يدعوه مبتهلاً بالواحد الصمد
هذا منازل من يرتاع من عققي * فخذ بحقّي يا جبّار من ولدي
حتّى تشلّ بعون منك جانبه * يا من تقدّس لم يولد ولم يلد
قال : فوالذي سمك السماء ، وأنبع الماء ، ما استتمّ دعاءه حتّى نزل بي ما ترى ،
هامش
1 - الجَلد : القويّ الشديد ، لسان العرب 2 : 323 .
2 - الشمردل : الفَتىُّ القوىُّ الجَلدُ . لسان العرب 7 : 192 شمردل .
3 - الغارب : الكاهل . لسان العرب 10 : 36 غرب .
4 - الرمح الرُّدَيْنِيُّ : منسوب إلى امرأة السَّمهريّ تسمّى رُدَيْنَة ، لسان العرب 5 : 194 ردن .
5 - الخاطب : الذي يخطب ، ولعلّ المراد منه - بقرينة الإضافة - اللسان ، يعني أنّ لسانه كالرمح في الطول والحدة
والذراية ، وإذا خصصنا الخاطب بالّذي يخطب النساء للتزويج ، كان له معنى آخر .
6 - هضمه : ظلمه وغصبه وقهره . لسان العرب 15 : 100 هضم .
7 - يستدعي الله عليّ : أي يستنصره ويتعينه عليّ . لسان العرب 9 : 97 عدا .
8 - العيرانة من الإبل : الناجية في نشاط ، وقد شَبّهت بالعَيْر في سرعتها ونشاطها . لسان العرب 9 : 494 عير .
9 - المِهاد : الفراش . لسان العرب 13 : 206 مهد