حداثة سنّه وصعوبة مقامه - فرماه النّاس بأبصارهم وهم يقولون :
اللّهمّ سدّد منطق ابن بنت نبيّنا ! فوضع يده على عمود يتساند إليه ، وكان عليلاً
من شكوى به ، فقال :
الْحمْدُ لِلّه الْعَزيزِ الجبّارِ ، الواحِدِ القهَّارِ ، الكبَيرِ المُتَعالِ ( سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ
الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْف بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ) ( 1 ) أحمده على
حسن البلاء ، وتظاهر النّعماء ، وعلى ما أحببنا وكرهنا من شدّة ورخاء ، وأشهد أن
لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، امتنّ علينا بنبوّته
واختصّه برسالته ، وأنزل عليه وحيَه ، واصطفاه على جميع خلقه ، وأرسله إلى
الإنس والجنّ ، حين عبدت الأوثان وأطيع الشيطان ، وجُحِد الرّحمن ، فصلّى الله
عليه وآله وجزاه أفضل ما جزى المسلمين .
أمّا بعد : فإنّي لا أقول لكم إلاّ ما تعرفون ، إنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب -
أرشد الله أمره ، وأعزّ نصره - بعثني إليكم يدعوكم إلى الصّواب ، وإلى العمل
بالكتاب ، والجهاد في سبيل الله ، وإن كان في عاجل ذلك ما تكرهون ، فإنّ في آجله
ما تحبّون إن شاء الله . ولقد علمتم أنّ عليّاً صلّى مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحده ، وإنّه يوم
صدّق به لفي عاشرة من سنّه ، ثمّ شهد مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جميع مشاهده . وكان من
اجتهاده في مرضاة الله وطاعة رسوله وآثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم ،
ولم يزل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) راضياً عنه ، حتّى غمّضه بيده وغسّله وحده ، والملائكة
أعوانه ، والفضل ابن عمّه ينقل إليه الماء ثمّ ادخله حفرته ، وأوصاه بقضاء دينه
وعداته ، وغير ذلك من أموره ، كلّ ذلك من منّ الله عليه . ثمّ والله ما دعا إلى نفسه ،
هامش
1 - الرعد : 10 .