تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥

الأزليّة وهذه القصص وردت في القرآن لتعرف بها سنّة اللَّه تعالى في عباده الَّذين خلوا من قبل فما في القرآن شيء إلا وهو هدى ونور وتعرّف من اللَّه تعالى إلى خلقه فتارة يتعرّف إليهم بالتقديس فيقول : « قل هو اللَّه أحد اللَّه الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد » ( 1 ) وتارة يتعرّف إليهم بصفات جلاله فيقول : « الملك القدّوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر » ( 2 ) وتارة يتعرّف إليهم بأفعاله المخوفّة والمرجوّة فيتلو عليهم سنّته في أنبيائه وأعدائه فيقول : « ألم تر كيف فعل ربّك بعاد * إرم ذات العماد » ( 3 ) « ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل » ( 4 ) ولا يعدو القرآن هذه الأقسام الثلاثة وهي الإرشاد إلى معرفة ذات اللَّه تعالى وتقديسه أو معرفة صفاته وأسمائه أو معرفة أفعاله وسنّته مع عباده ولمّا اشتملت سورة الإخلاص على أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس وازنها النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بثلث القرآن فقال : « من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن » ( 5 ) لأنّ منتهى التقديس أن يكون واحدا في ثلاثة أمور لا يكون حاصلا منه من هو من نوعه وشبهه ودلّ عليه قوله : « لم يلد » ، ولا يكون حاصلا ممّن هو نظيره وشبهه ودلّ عليه قوله : « ولم يولد » ولا يكون في درجته وإن لم يكن أصلا له ولا فرعا من هو مثله ودلّ عليه قوله : « ولم يكن له كفوا أحد » ويجمع جميع ذلك قوله : « قل هو اللَّه أحد » وجملته تفصيل قولك : « لا إله إلا اللَّه » فهذه أسرار القرآن ولا تتناهى أمثال هذه الأسرار في القرآن فلا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين . ولذلك قال ابن مسعود - رضي اللَّه عنه - : ثوّروا القرآن والتمسوا غرائبه ففيه علم الأوّلين والآخرين » وهو كما قال ولا يعرفه إلا من طال فكره في آحاد كلماته وصفا له فهمه حتّى تشهد له كلّ كلمة منه بأنّه كلام جبّار قاهر مليك مقتدر وأنّه خارج عن حدّ استطاعة البشر وأكثر

هامش
( 1 ) تمام سورة الإخلاص .
( 2 ) الحشر : 23 .
( 3 ) الفجر : 5 و 6 .
( 4 ) الفيل : 2 .
( 5 ) أخرجه أحمد من حديث أبي بن كعب والبخاري نحوه ج 6 ص 232 من حديث أبي سعيد الخدري .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 85 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري